عين قلب عبده ، وسماعه صوت الحق يدوي في كل مكان ، واستيلاء المحبوب على قلب المحب بحيث لا يرى ولا يسمع غيره كما يقول بعضهم :
إذا ما تجلى لي فكلي نواظر * وإن هو ناجاني فكلي مسامع
فالقسم الأول من « الفاتحة » مجموعة صفات خاصة ، يتصف بها الحق وحده :
أي الحق من حيث هو معبود ، لا من حيث هو في ذاته . فهو الله ، الرحمن الرحيم ، رب العالمين ، مالك يوم الدين . والعبد إذ يقرؤها يذكر اسم الله ويحمده ، ويثني عليه ويمجده ، ويفوض الأمر إليه ، ويعترف بافتقاره إليه . والقسم الثاني قوله : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ . وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . يقول ابن عربي إن الله يقول عند سماع هذه الآية من العبد « هذه بيني وبين عبدي » أي مشتركة بيني وبين عبدي ، إذ العبادة مشاركة واتصال بين العابد والمعبود : لأنها ليست فعلًا من جانب واحد ، بل هي حال ، بالمعنى الصوفي ، يتحقق فيها العابد بوحدته الذاتية بمعبوده ، فيكون فيها العابد معبوداً والمعبود عابداً . ولعل هذه الحال هي التي أشار إليها ابن عربي في قوله :
فيحمدني وأحمده * ويعبدني وأعبده ( 1 )
والقسم الثالث هو من قوله تعالى : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » إلى آخر السورة .
وهو يعبر عن صفة العبودية المحضة الخاصة بالعبد ، أي افتقاره إلى الهداية إلى الصراط المستقيم . وإذا فسرنا الصراط المستقيم كما فسره في فص هود وغيره بأنه صراط الوجود الذي يسير عليه كل شيء ، ظهر معنى العبودية والافتقار ، لا في الإنسان وحده ، بل في الخلق أجمع . إذ الخلق من حيث إن له صفة الإمكان مفتقر إلى الحق الذي يمنحه الوجود ، فكأنه يتوجه إليه على الدوام ، ويسأله بلسان حال افتقاره أن يمنحه الوجود ويهديه إلى صراطه .
هامش
( 1 ) راجع الفص الخامس .