تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
ذكرنا في التعليق السابق رأيه في أن الوجود بأسره خيرٌ في ذاته : فإن حكم على شيء فيه بأنه شر ، فذاك من قبيل العرض الصرف . وذكرنا أن المستويات التي يحكم على الأشياء بأنها شر بالقياس إليها ، هي العرف والطبع والغرض والشرع ودرجة من الكمال مطلوبة . وكل هذه أمور متغلغلة في العالم ، في نظامه الطبيعي والاجتماعي . فلا عجب إذن ألا يوجد موجود لا يعرف إلا الخير ، ولا يجد إلا الطَّيِّب في كل شيء لأنه لا محالة واجد شيئاً لا يلائم طبعه أو غرضه ، أو لا يتفق مع عرفه أو شرعه . بل إن الأصل الذي ظهر عنه العالم - وهو الحق - يعرف الخير كما يعرف الشر ، ويدرك الطَّيِّب كما يدرك الخبيث . فليست طبيعته قاصرة على إدراك الخير وحده ، ولا على اعتبار الوجود بأسره خيراً لا شر فيه . يدل على ذلك أنه وصف نفسه بأنه يحب ويكره ويعذِّب ويثيب : أي يفرق بين الطَّيب والخبيث ، إذ ليس الطَّيِّب إلا ما يحب وليس الخبيث إلا ما يكره . وقد يبدو لأول وهلة أن هناك تعارضاً بين هذا القول وبين ما ذكرناه في التعليق السابق ، من أن الوجود في ذاته خيرٌ محض في نظر الحق . والواقع أنه لا تعارض بينهما ، لأن الحق الذي يحب ويكره ، ويعذب ويثيب ، هو الحق من حيث صلته بالعالم ، لا الحق من حيث هو في ذاته ، فإنه من هذه الحيثية الأخيرة خيرٌ محض ، لا يرى في الوجود إلا خيراً . أما من الحيثية الأولى فقد ظهر برحمته في كل شيء ، لا فرق في ذلك بين الخبيث والطَّيِّب ، وهما معنيان يدركهما العباد في الوجود فيخاطبهم الحق بهما حسب إدراكهم . والعالم على صورة الحق ، فلا بد له من أن يحب ويكره كذلك : أي يدرك الخير والشر . أما من يدعي من الناس أنه لا يدرك إلا الخير ، فذلك لأنه شغل بالخير عما عداه ، فظن أنه لا يوجد في الوجود إلا هو . ( 19 ) « وأما الثالث الذي به كملت الفردية فالصلاة . . . إلى قوله : في الفتوحات المكية » .