لعل من الغريب أن يتكلم في الصلاة رجل يقول بوحدة الوجود ، أو أن يتكلم في أي نوع آخر من أنواع العبادة تتمثل فيه الصلة بين العبد وربه . ولكن ذلك ليس بغريب على ابن عربي الذي لم يفقد عاطفته الدينية ، على الرغم من قوله الصريح بوحدة الحق والخلق ، والرب والعبد ، وإن كان يكيف العبادة تكييفاً آخر يخرج بها عن مألوف معناها ، وينتهي بها إلى حال عميق من أحوال الاتصال الصوفي با لله . وفيما يذكره عن الصلاة في هذا الفص مثال رائع لإظهار العاطفة الدينية التي لم تتمكن وحدة الوجود من إطفاء جذوتها في قلب ذلك الرجل ، ولكيفية فهمه العبادة فهماً صوفياً .
أخص جزء من الصلاة في نظره ذكر الله ، بل ذكر الله على نحو خاص : أي المناجاة بين الحق وبين العبد الذي هو مجلاه ومظهره . قال تعالى :
« إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ » ( العنكبوت آية 45 ) .
يقول ابن عربي : ولذكر الله أكبر ، أي أكبر ما في الصلاة باعتباره جزءاً منها .
ولكن الذكر في الصلاة ليس قاصراً على ذكر العبد لربه ، بل يشمل ذكر الله للعبد أيضاً ، وذلك بإجابته سؤال العبد . وقد ذكر هذا المعنى فيما بعد بقوله :
« * ( ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ) * يعني فيها ( أي في الصلاة ) أي الذكر الذي يكون من الله لعبده حين يجيبه في سؤاله » . يأخذ بعد ذلك في شرح هذه المناجاة بين العبد وربه وهي لا تعدو التأمل في صفات الحق والخلق ، وإعطاء كل منهما حقه :
فإن للرب صفات يختلف بها عن العبد ، وللعبد صفات تميز بينه وبين الرب .
ولذا قسم « فاتحة الكتاب » التي يعدها أعظم جزء من أجزاء الصلاة إلى ثلاثة أقسام : الأول خاص با لله ، والثالث خاص بالعبد ، والثاني مشترك بينهما .
وفسر هذه السورة على أنها مناجاة بين المحب والمحبوب ، أولها مجالسة وحديث مع الحق ، ووسطها تخيل له في قبلة المصلى ، وآخرها شهود ورؤية للحق في
فصوص الحكم — صفحة 341
مساهمون: ابن عربي
ص٣٤١