تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
وجعلت قرة عيني في الصلاة » . لم يقل ثلاثة مع أنه ذكر الطيب وهو مذكر ، ومن عادة العرب تغليب المذكر على المؤنث مهما يكن عدد الذكور . فكان المنتظر أن يقول « ثلاثة » ويغلب المذكر على المؤنث ، فيأتي بتمييز للعدد على عكس المعدود . ولكنه لم يفعل ، بل غلب التأنيث على التذكير لحكمة أرادها . ويرى ابن عربي أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار بذلك إلى أهمية التأنيث ، وأنه أصل كل شيء ، والعلة في وجود كل شيء . ألا ترى أنه مهما كانت وجهة نظرك في خلق العالم ، فإنك منته لا محالة إلى لفظ مؤنث يفسر لك أصله وسبب وجوده ؟ فإن قلت إن أصل الوجود « الذات الإلهية » ، أو أن الظاهر في الوجود « الصفات الإلهية » ، أو أن الذي أظهر الوجود « القدرة الإلهية » ، أو وصفت الله بأنه « علة الوجود » و « حقيقته » وما إلى ذلك ، فإنك تستعمل في كل حالة كلمة مؤنثة . ويشير ابن عربي بمجموعة الألفاظ المؤنثة التي أوردها إلى رأي الأشاعرة القائلين بأن سبب وجود الخلق « القدرة الإلهية » ناظرين إلى القدرة ، وسائر الصفات على أنها أمور مغايرة للذات الإلهية ، وإلى مذهب الحكماء الذين اتبعهم المعتزلة في قولهم ان الذات عين الصفة ، وإلى مذهب من يرى أن الذات الإلهية من حيث هي : أي من غير اعتبار لأية صفة : هي علة وجود العالم . ومهما يكن المذهب الذي تأخذ به في أصل الوجود وخلقه ، فإن الكلمات التي تعبر بها عن ذلك مؤنثة . ( 15 ) « ولما خُلق عبداً بالأصالة لم يرفع رأسه قط إلى السيادة . . . فأعطاه رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس » . أي ولما خلق محمد عليه السلام ( أو بالأحرى الروح المحمدي ) وقف من الحق موقف العبودية المحضة ، أي موقف الانفعال المحض لأنه الصورة الأولى للحق ، والصورة محل الانفعال كما أسلفنا . ولكنه أُعْطِيَ القوة على الفعل لما أوجد الله من روحه جميع الأرواح ومظاهرها ، كما جاء في الحديث الذي يروونه من « أن الله لما خلق العقل قال : أقبل فأقبل ، ثم قال : أدبر فأدبر ،