الوجود الخارجي ، في حين أن العالم الذي هو ظل الحق مفتقر إليه في وجوده ، وفي كل ما هو ظاهر فيه من صفات . والغني له الأولوية على الفقير ، كما أن له صفة الفاعلية ، وللمفتقر المفعولية . وقد سبق أن قال : إن المؤثر بكل وجه وعلى كل حال وفي كل حضرة هو الله ، وإن المؤثَّر فيه بكل وجه ، وعلى كل حال ، وفي كل حضرة هو العالم ( 1 ) . وإذا كان لنا أن ننسب إلى العالم صفة الفاعلية استناداً إلى ما ندركه فيه من العلل والمعلولات ، فلا بد من وصف فاعليته بأنها فاعلية ثانوية ، تمييزاً لها عن الفاعلية الأولية التي للحق وحده .
( 12 ) « فأعطى كلَّ ذي حق حقه كلٌ عارف » .
قد تفهم هذه الجملة بمعنى أن العارف با لله ، الواقف على أسرار حقيقة الوجود ، يعطي كلاًّ من الحق والخلق حقه ، ويميز بينهما على نحو ما بيناه في التعليق السابق :
أي يميز بين ما له وجوب الوجود والغنى المطلق عن العالمين ، وما له إمكان الوجود والافتقار المطلق . وقد تفهم بمعنى أن العارف يعطي كل موجود من الموجودات نصيبه من الحق كما يعطيه نصيبه من الخلق ، أي يدرك في كل موجود أنه حق وخلق معاً : حق من حيث عينه وأصله ، وخلق من حيث صورته .
( 13 ) « وليست الطبيعة على الحقيقة إلا النَّفَس الرحماني . . . إلى قوله :
سريان آخر » .
سبق أن ذكرنا في الفص العيسوي أن الطبيعة نسبتها إلى النَّفَس الرحماني ، نسبة الصور النوعية إلى الشيء الظاهرة فيه . وقوله « على الحقيقة » إشارة إلى أن العقل وإن كان يميز بين الشيء وصورته النوعية ، إلا أنها في الحقيقة عين ذلك الشيء . والنَّفَس الرحماني ( أو الطبيعية ) على هذا التفسير ، هو الجوهر الذي تفتحت فيه صور الوجود المادي والروحي : سماه النَّفَس الرحماني ، من قوله
هامش
( 1 ) راجع الفص الثاني والعشرين ، التعليق الخامس .