تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
كما نشاهده في صورة الفاعل والمنفعل معاً في المجلى الواحد . والحقيقة أنه لا مجال للتحدث عن الفعل والانفعال إلا في عالم الكثرة والتعدد ، وهو عالم المحجوبين الذين لا يدركون الوحدة الوجودية بين العلل والمعلولات ، فيقولون هذا منفعل وذلك فاعل ، ولا يدركون ذوقاً أن الفاعل والمنفعل عين واحدة فرَّقت بينهما المراتب . ولكن إذا كان لا بد لنا أن نتكلَّم بلسان الكثرة الذي هو لسان العقل - لا الذوق - وإذا كان لا بد أن نتحدث عن مشاهدة الحق في الصور ، وهو « لا يشاهَدُ مجرداً عن المادة أبداً » ، إذ تستحيل مشاهدة ذاته . فيصح أن نقول إن الحق يشاهَدُ في الوجود بصورة الفاعل وبصورة المنفعل ، كما يشاهَدُ بصورة الفاعل المنفعل وهو أكمل مشهد له . ( 10 ) « وأعظم الوصلة النكاح وهو نظير التوجّه الإلهي على من خلقه على صورته ليخلفه » . أعظم اتصال جسماني بين الرجل والمرأة هو النكاح ، وفيه يتوجه الرجل لإيجاد ولد يكون على صورته ويخلفه من بعده . ولذلك شبّه به توجه الله إلى خلق آدم ونفخه فيه من روحه ليكون على صورته ويخلفه ويرى فيه نفسه . ولكن هذا التشبيه يصدق أيضاً على توجُّه الحق أزلًا إلى الظهور بمظهر الخلق في صورة العالم الخارجي . فالإنسان حق وخلق ، والعالم حق وخلق والحق في كل منهما هو الروح المدبر لصورته ، والخلق هو تلك الصورة التي يدبرها الروح . وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى « يُدَبِّرُ الأَمْرَ من السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ » : أي من أعلى مراتب الوجود إلى أسفلها ، لأن الأرض أسفل عالم العناصر . ففي كل مرتبة من مراتب الوجود يدبر الحقُّ الخلقَ : أو الباطنُ الظاهِرَ ، وإن كانت الحقيقة أنه هو الحق الخلق والظاهر الباطن ، لأن التنزلات في مراتب الوجود ليست إلا تعينات وشئوناً للذات الإلهية الواحدة . ولما فسر النكاح على هذا النحو ، أي على أنه ازدواج شيئين لإنتاج ثالث ، أو