تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
حبه بربه لا بأي شيء آخر أياً كان ذلك الشيء . وتكلَّم في هذه الفقرة عن الوصلة التي في المحبة وما يصاحبها من عموم الشهوة وفناء الرجل في المرأة ووجوب الاغتسال بعد ذلك . وقد استعمل في الفقرتين لغة الرمز والإشارة فتعقدت بذلك عباراته وصعب اقتناص معانيه . ومن الغريب أن أحداً من شراح الفصوص لم يشر إلى هذه الرمزية ولم يحاول صرف الفص عن ظاهره ، مع أنه يكاد يكون من المستحيل فهم النص على ظاهره إلا إذا اتهمنا ابن عربي بمادية شنيعة لا تتفق مع روح مذهبه . والذي أعتقده أنه يستعمل كلمة « المرأة » هنا رمزاً للدلالة على أي موضوع محبوب ، و « الشهوة » رمزاً على الرغبة الملحة في الحصول على المطلوب ، و « وصلة النكاح » رمزاً على الاتحاد الصوفي ، و « الاغتسال » رمزاً على الطهارة الروحية . وإذا كان الحق هو عين كل محب ومحبوب ، وكانت غاية كل محب الاتصال بمحبوبه والفناءَ فيه والتلذذ بقربه ، لزم أن يكون الحق هو المحبوب على الإطلاق ، والمتلذذ به على الإطلاق ، ولزم ألَّا يفنى محب إلا فيه ، وألَّا تطلب « وصلة النكاح » إلا به . أما أولئك المحجوبون الذين يقولون بوجود الغير والسوي ، فينظرون إلى المرأة وإلى كل ما هو موضع للذة والشهوة ، على أنها مصادر مستقلة للذاتهم . ولهذا أُمر الإنسان بالاغتسال بعد الجماع ، أي أُمر بتطهير نفسه من كل شوائب الغيرية بعد الجماع البدني ، لتكون نفسه أكثر قبولًا وأعظم استعداداً للجماع الروحي ، والتحقق بوحدة المحب والمحبوب ، والفناء في المحبوب الواحد مهما تعددت صوره ومجاليه : ذلك الفناء الذي أشار إليه بعضهم بقوله : صح عند الناس أني عاشق * غير أن لم يعرفوا عشقي لمن ومفتاح الرمزية في هذه الفقرة قول ابن عربي « فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره » : أي أن الحق يأبى أن يُحَبَّ شيء إلا إذا كان هو عينَ ذلك المحبوب ، كما يأبى أن يعبد شيء إلا إذا كان هو عين ذلك المعبود : أي أنه استأثر بالحب والعبادة لنفسه . وكيف لا يستأثر بهما وما سواه شيء ، وما غيره