الأصل ، يشتاق إلى نفسه في مرتبة التقييد التي هي مرتبة العبد .
فالحب موجود على الدوام متبادَل بين الحق والخلق . والشوق والحنين واللقاء موجودة على الدوام أيضاً ، لأن الحق دائم الظهور في صور الخلق ، يدفعه إلى ذلك الحبُّ الكامن فيه نحو ذلك الظهور . والخلق دائم الفناء يدفعه إلى ذلك الحبُّ الكامن فيه نحو التحلل من الصور والرجوع إلى الأصل . هذه هي دائرة الوجود ، أولها حب وفراق ، وآخرها حب وتلاق ، ومحور الدائرة « الحق » ومحيطها ما لا يحصى عدده من مجالي الوجود : كلٌّ يخرج من المركز ، وكل يرجع إليه .
ولكن للقاء الحق معنى يفهمه كل منا بحسب منزلته واستعداده الروحي . فهو بالنسبة إلى أهل الشهود من المؤمنين لقاء يتحقق في هذه الدنيا ، لأنهم قوم ماتوا عن إنّيّاتهم وتعيناتهم في هذه الدار ، وتجردوا عن طبائعهم وخلعُوا هيئاتهم النفسانية والطبيعية فأحياهم الله بحياته ، وشاهدوا جمال وجهه الباقي في كل شيء . وهؤلاء لا يشتاقون إلى اللقاء ، لأنهم متحققون به في عين القرب من الله ، والشوق لا يكون إلا للمحروم البعيد ، حيث الفراق ودوام الحجاب . ولكنهم يشتاقون إلى دوام اللقاء : أي يشتاقون إلى مشاهدة نور الجمال الحق يطلع في كل لحظة في صورة جديدة من صور الوجود ، وهو شوق لا ينتهي ، وظمأ لا ينقع . وإلى هذا المعنى أشار أبو يزيد البسطامي في البيت الآتي المنسوب إليه :
شربت الحب كأساً بعد كأس * فما نفد الشراب وما رويت
أما المحجوبون فهم أبداً مشتاقون إلى لقاء الحق ، وهم لا يصلون إلى بغيتهم إلا بعد ارتفاع حجابهم البدني ، وزوال الغواشي الطبيعية عنهم . وهذا لا يكون إلا بالموت الحقيقي : إذ بالموت تنحل الصورة البدنية ويعود الفرع إلى أصله . ولكن الموت موتان : موت طبيعي وهو لجميع الخلق بلا استثناء ، وفيه يلقى العبد ربه برجوع عينه إلى الذات الإلهية الواحدة ، كما يعود النهر إلى البحر الذي خرج منه . وموت أهل
فصوص الحكم — صفحة 327
مساهمون: ابن عربي
ص٣٢٧