تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
لأنها انقلبت حية ، والحية من الحياة ، والحياة هنا حياة العلم والعرفان . وكما أن الله تعالى يقول : « يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » ، أي يورد الحكم بالحسن والسوء على الفعل الواحد - لأن الفعل في ذاته لا يوصف بالحسن ولا بالقبح - وإنما تختلف أحكامنا عليه - كذلك قلْبُ معصية فرعون طاعة . أي أورد اسم المعصية على فرعون من وجه ، واسم الطاعة عليه من وجه آخر . وهو هو لم يتغير . وكذلك قلب عصا موسى حية في اللسان الرمزي ، أي سماها عصا في صورة ، وحيَّةً في صورة أخرى . وجوهرها واحد لم يتغير إلا في الحكم . وخلاصة القول أن فرعون لم يعص موسى إلا في الصورة ، بل لم يكن عصيانه إلا عين الطاعة : لأن العصيان والطاعة مظهران لحقيقة واحدة ، كما أن عصا موسى وحيته لم يكونا إلا مظهرين وصورتين لجوهر واحد . فلم يختلف عصيان فرعون عن الطاعة الحقيقية إلا بمقدار ما اختلفت عصا موسى عن الحية التي تحولت تلك العصا إليها . والحقيقة أنه ليس هناك تحول ولا انقلاب وإنما هو تغير في الصور . والظاهر أن القاشاني ( ص 419 ) يفهم كلمة « الحكم » في النص بمعنى الأمر والنهي . فكأنه يريد أن يقول إن الله أمر عصا موسى أن تكون عصاً فكانت ، ثم أمرها أن تنقلب حية فانقلبت حية ، وهي جوهر واحد في كلتا الحالتين لم يتغير . أما الذي شاهده قوم فرعون في الخارج فهو حكم الله . وبهذا فهم قول المؤلف « فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد » . ولكني فهمت « الحكم » في هذه الفقرة بمعنى الوصف الذي نورده على الأشياء . فنحن الذين سمينا عصاً موسى عصا في صورتها الأولى ، وسميناها حية في صورتها الثانية ، وهي جوهر واحد لم يتغير . وكذلك نسمي الكثرة الوجودية في الكائنات كلاًّ منها باسمه الخاص مع أنها في الحقيقة جوهر واحد . ( 21 ) « فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها . . . إلى قوله سوى أعيان الموجودات » .
فصوص الحكم — صفحة 313 | ابن عربي