أما قوله « وهو قوله * ( بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * » : فمعناه أن قوله « رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما » يشبه قوله « وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » : لأن علمه محيط بكل شيء ، والشيء يشمل الظاهر والباطن من الموجودات ، وهو ما أشار إليه بالمشرق والمغرب .
أما « أهل الكشف والوجود » فهم العارفون أهل الذوق . وقد سماهم أهل وجود إما بمعنى أنهم يعرفون الوجود الظاهر الذي هو العالم الخارجي إلى جانب ما يكشف لهم من أسرار الغيب . فهم أهل كشف ووجود أي أهل معرفة ذوقية بحقائق الأشياء ، وأهل علم بالعالم الظاهر . وإما أن يكون معنى الوجود « وجود الحق أي معرفته . فهم أهل كشف ووجود أي فيهم القوة على كشف الحقائق ومعرفة الله . وللصوفية « حال » يسمونها « الوجود » ، وهي حال تعقب حال الوجد . ففي الوجد يكون الصوفي فانياً عن نفسه ، وفي « الوجود » يكون في حالة بقاء مع ربه ، أي حالة شعور بالحق لا يفرق فيه بين ذاته المدرِكة والموضوع المدرَك .
وفي هذه الحال يقول الصوفي إنه وَجَدَ الحق ( 1 ) ، وهي الحال التي يسمونها حال الصحو بعد المحو ، وفيها يقول ابن الفارض :
ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها * وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت
( 19 ) « فلما جعل موسى المسؤول عنه عَينَ العالم . . . إلى قوله بما يقبله الموقن والعاقل خاصة » .
لعل هذا الجزء من الفص أصعب ما فيه ، لا من حيث موضوعه ، فإنه لم يخرج عن دائرة وحدة الوجود التي يشرحها على لسان موسى تارة ولسان فرعون تارة أخرى بل من حيث الطريقة الملتوية التي يلجأ إليها في تفسير الآيات القرآنية والتعليق عليها ليخرج من كل ذلك بفكرته كاملة غير منقوصة في وحدة الوجود ، مع المحافظة في الشكل على مسرح القصة القرآنية وما دار فيها من حديث بين موسى وفرعون .
هامش
( 1 ) راجع الرسالة القشيرية في معنى الوجود ص 34