تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
تكلم عن الأسباب في معرض كلامه عن أعمال فرعون من صلبه الناس وتقطيعه أيديهم وأرجلهم . ورأيه أن الذي فعل كل هذا إنما هو الحق الظاهر بصورة فرعون ، لأن الحق هو الفاعل على الحقيقة في صورة كل ما له فعل ، إذ هو القائل عن نفسه : « وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى » ( الأنفال آية 17 ) . وهذا يثبت في نظر أصحاب وحدة الوجود أمثال ابن عربي ، أن الحق هو الفاعل لكل شيء في صورة كل شيء . فإذا نسبنا الأفعال إلى الصور الوجودية التي هي أعيان الممكنات سميناها أسباباً ، وإذا نسبناها إلى الفاعل الحقيقي الذي هو الحق لم نتكلم عن الأسباب . فالمراد بالأسباب هنا العلل الجزئية التي تحدث أَثرها بين موجود وموجود في داخل الوجود الكلي العام . أما ذلك « الكل » فلا سبب له ، أي لا علة لوجوده . ولا سبيل لتعطيل الأسباب لأنها من مقتضيات العلم الإلهي القديم ، أي من مقتضيات أعيان الأشياء الثابتة في العلم الإلهي الأزلي ، لأن كل ما يظهر في الوجود يتعين على النحو الذي كان عليه في الثبوت تلك كلمات الله التي لا تتبدل ، وكلمات الله هي أعيان الموجودات الثابتة . وهنا يصرح ابن عربي بقدم العالم تصريحاً لا يقل عن تصريح فلاسفة المشاءين ، وإن كان يختلف عنهم في تفسير العلاقة بين الحق والخلق . فأعيان الموجودات في مذهبه قديمة من حيث ثبوتها ، وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها . ويمثل لذلك بمجيء ضيف في وقت معين ، فإننا نقول « حدث عندنا اليوم ضيف » ، ولا يلزم من حدوثه أنه لم يكن له وجود من قبل . وكذلك يمثل بما ذكره الله تعالى في « إتيان كلامه » إلى الناس مع أن كلامه قديم . قال تعالى : « ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوه وهُمْ يَلْعَبُونَ » ( الأنبياء آية 2 ) ، وقال : « وما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْه مُعْرِضِينَ » ( الشعراء آية 4 ) . هذه كلها أمثلة يسوقها ليفسر بها ما يقصده من معنى الحدوث . فالعالم قديم لأن له عيناً ثابتة في الأزل ، بل هو قديم قدم الذات الإلهية الظاهرة في صوره ،