فسَّر قول موسى لفرعون إن الله هو « رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا » تفسيراً يتفق مع فكرته في وحدة الوجود كما أسلفنا ، لأنه أولها بمعنى أن الله هو الظاهر في صورة ما في السماوات والأرض وما بينهما : أي بصورة العالم . ومهد بذلك لتفسير دعوى فرعون الألوهية ، ولكل ما جرى بينهما بعد ذلك من حديث .
قال فرعون لموسى « لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ من الْمَسْجُونِينَ » ، فيسلم ابن عربي بادعاء فرعون الألوهية . وكيف لا يكون فرعون إلهاً وهو جزء من العالم الذي قال إنه صورة الله ؟ إن فرعون وغيره من المحدثات صور الحق في الوجود الظاهري . ولصورة فرعون مرتبة أعلى من مرتبة صورة موسى في ذلك المقام الخاص الذي كانا يتحدثان فيه ، لأنه أعطِيَ الحكم والمُلك والتصرف فيمن دونه من الناس الذين قلَّت مراتبهم عن مرتبته . فالعين واحدة في الجميع ولكنها متكثرة بالمراتب . ومرتبة فرعون أعلى من غيرها ، ولذلك قال « أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى » .
قال فرعون لموسى « لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ من الْمَسْجُونِينَ » .
وظاهر هذه الآية يعطي معنى الوعيد ، ولكن ابن عربي يقلب معنى الآية رأساً على عقب فيقول إن « السين » في مسجونين من حروف الزوائد ، ومعنى « لأَجْعَلَنَّكَ من الْمَسْجُونِينَ » لأسترنك : لأن لسان الباطن في نظره يقتضي أن يُقرأ القرآن هكذا . فبعد حذف السين لا يبقى إلا مادة الجيم والنون التي معناها الستر والإخفاء وبهذا انقلب وعيد فرعون لموسى وعداً ، وتهديده له بالسجن حماية ووقاية ، جزاءاً لموسى على ما مهد به لفرعون من ادعاء الألوهية .
ويجدر بي أن أقتبس هنا كلام القاشاني في شرح هذه الفقرة لأهميته . قال :
« المراد بهذا اللسان لسان الإشارة ، فإن فرعون كان غالياً من غلاة الموحدة ، عالياً من المسرفين في دعواه ، من جملة من قال عليه السلام عنه « شر الناس من قامت القيامة عليه وهو حي » : أي وقف على سر التوحيد والقيامة الكبرى
فصوص الحكم — صفحة 311
مساهمون: ابن عربي
ص٣١١