قبل فناء إنِّيَّته وموته الحقيقي في الله . وهو يدعي الإلهية بتعينه ، ويدعو الخلق إلى نفسه لتوحيده العلمي لا الشهودي الذوقي . وهو يعلم لسان الإشارة . فلما علم أن موسى موحِّد ناطق بالحق افترص فرصة دعوى الألوهية لأن غير الحق ممتنع الوجود . . . فرتبة الحق الظاهر في صورة فرعون له التحكم في ذلك المجلس [ مجلس فرعون وموسى ] على الرتبة الموسوية . فأيَّده جواب موسى بلسان التوحيد وقواه على دعواه مع إظهار السلطنة والقدرة بحسب الرتبة فقال له ما قال » ( شرح القاشاني على الفصوص ص 417 ) .
قال الله تعالى في حق قوم فرعون « فَاسْتَخَفَّ قَوْمَه فَأَطاعُوه ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ » ( الزخرف آية 54 ) يقول ابن عربي « فاسقين » أي خارجين عما تعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون باللسان الظاهر في العقل .
ومعنى هذا أن فسق قوم فرعون إنما كان في خروجهم عما يحكم به العقل الصحيح .
والعقل الصحيح ينكر مقالة فرعون في ادعائه الألوهية ، إذ العقل يتبع لسان الظاهر ولا يعرف غيره . ودعوى فرعون الألوهية غير مقبولة في نظر العقل وإن كانت مقبولة في نظر الكشف والذوق الصوفي ، فإن للعقل حداً يقف عنده يتجاوزه أصحاب الكشف واليقين . وهذا التجاوز هو الخروج الذي فسر به الفسوق . فمن قوم فرعون من كان من الموقنين أهل الكشف والذوق - وهم الفاسقون بالمعنى الذي شرحناه - ومنهم العاقلون أهل العقل والنظر : ولهذا جاء موسى . . . في جوابه عن سؤال فرعون بما يقبله الموقن والعاقل .
( 20 ) « * ( فَأَلْقى عَصاه ) * وهي صورة 63 - 64 ما عصى به فرعون موسى . . . إلى قوله فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد » .
ليست عصا موسى إلا صورة ورمزاً لعصيان فرعون وامتناعه عن أن يجيب دعوة موسى . أما انقلابها « حية » فهو أيضاً رمز لانقلاب عصيان فرعون طاعة فكأن نفس فرعون العاصية الأمارة بالسوء قد انقلبت إلى نفس طيعة مطمئنة ،
فصوص الحكم — صفحة 312
مساهمون: ابن عربي
ص٣١٢