تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
ولم يأت موسى ببيان لحقيقة الحق على نحو ما يتوقع أهل النظر والمنطق ، وإنما أبان هذه الحقيقة على نحو ما يفهمه أهل الحق . والسؤال عن الماهية سؤال عن الحقيقة ، وليس من اللازم أن من لا تخضع ماهيته لتعريف أهل النظر يكون لا حقيقة له . ( 18 ) « فقال رب المشرق والمغرب ، فجاء بما يظهر ويستر ، وهو الظاهر والباطن . وما بينهما : وهو قوله « بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . « إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ » . مزج آيتين مختلفتين وفسر إحداهما بالأخرى تفسيراً لا يبرره إلا حرصه على استخراج فكرة وحدة الوجود من القرآن مهما يكن الثمن . والآية الأولى هي الواردة في رد موسى على سؤال فرعون عن الماهية الإلهية ونصها « رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ » والثانية هي قوله تعالى « والظَّاهِرُ والْباطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . والمراد بالمشرق في نظر ابن عربي كل ما ظهر من الوجود ، وبالمغرب كل ما خفي ، وبما بينهما ، ما هو بين الخفاء والظهور . فكما قال في الآية السابقة إن الله هو « رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا » بمعنى أنه الظاهر في صور جميع مراتب الوجود عاليها وسافلها ، قال هنا إنه « رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما » : أي الظاهر في صور الوجود ظاهرها وخفيها . وقد قال في الأولى « إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ » أي أصحاب علم يقيني ، وهو الذي يسميه علم الكشف والوجود . وقال في الثانية « إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ » أي أصحاب عقل وتقييد ( لأنه يفهم العقل من عَقَلَ بمعنى قيد ) . فكأن الآية الأولى تعطي إطلاق الحق ، وهو ما يقول به أهل الكشف . والثانية تعطي تقييده ، وهو ما يقول به أهل العقل . ولكني لا أرى فرقاً بين الآيتين من حيث دلالتهما على الإطلاق والتقييد ، فكلتاهما تصلح لما تصلح له الأخرى . أما الفرق الحقيقي فبين أن يقال إن ذات الحق منزهة عن كل تعريف وكل تحديد ، وفي هذا معنى الإطلاق ، وأن يقال إنه رب السماوات والأرض ، أو رب المشرق والمغرب بمعنى أنه الظاهر في السماوات والأرض وفي المشرق والمغرب ، وفي هذا معنى التحديد .
فصوص الحكم — صفحة 309 | ابن عربي