آية 23 ) . والسؤال « بما » سؤال عن الماهية ، فكأنه بذلك أراد أن يظهر موسى أمام قومه بمظهر العجز : لأن السؤال عن الماهية الإلهية لا جواب له كما سيتضح فيما بعد . ولم تخف على فرعون الحقيقة : أي أنه لم يكن يجهل أن الله لا يُسْأل عن ماهيته لأنه لا يمكن وضع تعريف له ولكنه أراد إحراج موسى واختباره لمعرفة صدق دعواه . لذلك سأل هذا السؤال ، وهو سؤال إيهام ، ليظهر للحاضرين من قومه ما انطوت عليه نفسه من إيراد مثل هذا السؤال ، أعني إظهار عجز موسى .
والسؤال الذي سأله فرعون محتمل إجابتين : الأولى أن يقول موسى إن الماهية الإلهية لا تُعْرف ، والثانية أن يقول كما قال « رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ » . وفي كلتا الحالتين يستطيع فرعون أن يظهر لقومه أن موسى لم يجب ، فيكون في ذلك انتصاره عليه . هذه هي خلاصة المسألة كما يبسطها المؤلف . ومراده منها أن يظهر أن الحقيقة الإلهية بسيطة لا تقبل التعريف ، وأن كل ما يقبل التعريف مركب من الجنس والفصل كما نقول في « الإنسان » إنه « الحيوان الناطق » ، فندخله في جنسه القريب - الحيوان - ونميزه عن غيره من الأنواع الأخرى المشتركة معه في ذلك الجنس بأن نضيف إلى الجنس الفصلَ النوعي الذي هو « الناطق » . والحقيقة الإلهية لا جنس لها ، إذ لا يشترك معها غيرها في حقيقتها ، وإذن فلا تعريف لها . فلم يبق إلا أن يعرَّف الحق بمثل ما عرَّفه به موسى : أي بإظهار لوازمه البيِّنة وهي العالم .
ولذلك قال : « رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا » ، أي الظاهر أثره في السماوات - وهي كل ما علا - والأرض ، وهي كل ما سفل ، وما بينهما :
أي ما كان وسطاً بين العلو والسفل وهو عالم المثال . وبذلك حصر جميع الموجودات الروحية والمادية . وقال فيما بعد « رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما » للدلالة على ما ظهر وما بطن من أنواع الوجود . فلم تكن إجابة موسى إجابة عن ماهية الذات الإلهية ، بل عن هذه الذات من حيث ما ظهرت به ، أو ظهرت فيه ، من صور العالم .
فصوص الحكم — صفحة 308
مساهمون: ابن عربي
ص٣٠٨