تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
الخاص بشرعه الذي أُرسل به ، وهذا لا يعلمه الولي . ومن هنا كان من واجب الولي أن يتبع رسول وقته فيما يأتي به شرعه من الأحكام ، وإن كان يفهمها على النحو الذي يقتضيه علمه الباطن . أما أن الرسول يعلم العلم الباطن ، فدليله أنه معصوم من الخطأ ، لأن الله يوجِّه أفعاله حيث يشاء لحكمة عنده مهما كان مظهر هذه الأفعال . ولهذا نبَّه الخضر موسى إلى باطن أفعاله بما قام به هو نفسه من الأفعال التي يدل ظاهرها على الهلاك دون باطنها . ثم شرح له الحكمة في كل منها ليظهر له مقامه في الولاية ، وليبين له الفرق بين العلم الذوقي الباطن ، وعلم الظاهر . والسر في أن الرسول يعمد دائماً إلى لسان الظاهر ولا يدرك غيره ، أنه مكلَّف بتبليغ رسالته إلى قوم فيهم الخاصة والعامة . وكلاهما يفهم لسان الظاهر وإن انفرد الخاصة بأنهم يفهمون ما يفهمه العامة وزيادة . فخوفاً من أن تتبلبل أفكار العامة وتزل أقدامهم إذا هم عدلوا عن الظاهر وخاضوا في أسرار باطن الشرع ، خوطبوا بهذه الطريقة الخاصة ولم يكلفوا فوق ما يطيقون . أما الخاصة من أهل الأذواق فيغوصون ، كما يقول ، على درر الحكم ويعرفون مراد الله الحقيقي من الأحكام . هذه لا شك نغمة إسماعيلية دخلت التصوف منذ بدأ الصوفية يبحثون في الشريعة والحقيقة والطريقة ، وهو موضوع يعقد له القشيري فصلًا خاصاً في في رسالته ( 1 ) . وعن هذا الطريق وصل الصوفية إلى نتائج كان لها أكبر الأثر في تشكيل مذهبهم وصبغه بصبغة روحية خاصة ميزتهم في ميدان العقائد عن فرق المتكلمين ، وفي ميدان المعاملات عن الفقهاء . ( 16 ) « فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً » يريد الخلافة ، و « جَعَلَنِي من الْمُرْسَلِينَ » يريد الرسالة » . يستعمل ابن عربي عادة كلمة « الخليفة » للدلالة على الإنسان الكامل الذي يظهر
هامش
( 1 ) الرسالة ص 73