تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الذات . وهو للحق دون غيره من حيث هو جوهر أزلي مجرد عن جميع الإضافات والنسب إلى الوجود الظاهري . وهذا معنى قوله تعالى « فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . وعلم له بذاته ولكن في صور أعيان الممكنات ، وهو العلم الحادث المشار إليه في قوله تعالى « حَتَّى نَعْلَمَ » . ويستوي فيه أن نقول إنه علم الحق بذاته في صور أعيان الممكنات ، أو علم أعيان الممكنات به من حيث هو ظاهر فيها . ولا يتم كمال العلم إلا بالاثنين معاً ، كما لم يتم كمال الوجود بالوجود الأزلي وحده ، ولا بالوجود الحادث الذي هو وجود العالم وحده ، وإنما تم بالاثنين جميعاً . فهنا موازاة تامة بين الوجود الأزلي والعلم الأزلي والوجود الحادث والعلم الحادث : وهما في كل من الحالتين وجهان لحقيقة واحدة . وليس حدوث العالم وجودَه من بعد عدم ولا خلقَه في زمان معين ، وإنما حدوثه - كما يقول ابن عربي - هو ظهور بعضه لبعض وظهور الحق لنفسه في صور العالم . ( 14 ) « فكان الخوف مشهوداً له بما وقع من قتله القبطي ، وتضمن الخوف حب النجاة من القتل » . أي فكان خوف موسى مشهوداً له ، بمعنى أنه أدركه إدراكاً مباشراً لأنه قتل القبطي . ولكن هذا الخوف لم يكن الباعث له على الفرار إلا في الصورة أما في الحقيقة فإن الباعث كان حب موسى النجاة من القتل . كذلك الحال في كل ما يصدر عن الإنسان من الأفعال وكل ما يظهر في الوجود من ظواهر لها سبب قريب مدرك مباشرة بالحس أو بالعقل ، وسبب بعيد غير مدرك بالحس ولا بالعقل ادراكاً مباشراً . والسبب البعيد في حدوث أي شيء هو الحب كما أسفلنا . وقد كان السببَ الحقيقي في فرار موسى . ولكنه لم يدركه ، لأن موسى وغيره من الناس انما يعنون بالأسباب القريبة لقربها ووضوحها واتصالها المباشر بما يعود عليهم من نفع أو يلحقهم من ضرر . ثم إنه لما فرَّق بين السبب القريب والسبب البعيد كما ذكرنا مَثَّل للنسبة بينهما بالنسبة بين الجسم والروح . فالجسم هو الجزء الظاهر المحسوس الذي تنسب إليه