انتقل من الكلام في فرار موسى بعد قتله الغلام ووصفه ذلك الفرار بأنه حركة دفعه إليها حبه النجاة من القتل ، إلى الكلام عن الحركة عموماً . ورأيه أن الحركة في جميع مظاهرها مبعثها الحب ، وإن خفي هذا المعنى عن الباحثين في ماهيتها لاشتغالهم بالنظر في أسباب أخرى غير الحب يتوهمون أنها أصل الحركة . الحركة في نظره رمز للحياة والوجود ، والسكون رمز للموت والعدم . وكل حركة ، وكل مظهر من مظاهر الوجود ، يبعث عليه الحب الساري في جميع الأشياء ، الظاهر في جميع الصور . بل الحب هو سر الخلق وعلته . وأعني بالخلق هنا ما يعنيه ابن عربي نفسه من أنه ظهور الحق في صور أعيان الممكنات وتجليه فيها . قال تعالى في حديث قدسي يرويه الصوفية « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني » . فحب ظهور الحق في صور الوجود ، وحبه في أن يعرف نفسه بنفسه في مرايا الممكنات ، كما يشاهد الإنسان صورته في المرآة فيدرك منها معنى غير الذي يدركه من نفسه من غير وجود هذه الصورة : ذلك الحب هو علة خلق العالم ، وهو الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه الوجود ، فإنه يتخلل كل ذرة من ذرات العالم ، ويدفع بكل شيء إلى الظهور بالصورة التي هو عليها .
ذلك الحب الذي هو مبدأ الوجود وأصل كل موجود ، هو بعينه في نظر الصوفية السبيل الوحيد لمعرفة الله والتحقق بالوحدة الذاتية معه . وهو في نظر ابن عربي أصل جميع الاعتقادات والعبادات كما أسلفنا . ( راجع التعليقين الخامس والسادس من الفص السابق ) . وقد كان الحب عند الصوفية دائماً روح الحياة الدينية ومصدر جذبتهم إلى الحق وشهودهم إياه وأساس نظريتهم في الأخلاق والمعرفة .
( 13 ) « وعلْمه تعالى بنفسه من حيث هو غني عن العالمين هو له . . . إلى قوله للكمال فافهم » .
للحق نوعان من العلم : علم بذاته من حيث هو في ذاته ، وهذا العلم قديم قدم
فصوص الحكم — صفحة 303
مساهمون: ابن عربي
ص٣٠٣