تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
صورته البدنية ورجوعه إلى الحق . وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في مواضع كثيرة من هذه التعليقات ( راجع مثلًا التعليق الحادي عشر من الفص الإسماعيلي ) . وإذا كان الأمر على هذا النحو فنفس كل إنسان فرعونُه ، لأنها مصدر معاصيه وآثامه ، ولكن معاصي الإنسان في الحقيقة طاعات بالمعنى الذي أسلفناه ولهذا وسعتها الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء . ( 9 ) « كذلك علم الشرائع كما قال تعالى : * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً ) * : أي طريقاً : ومنهاجاً أي من تلك الطريقة جاء » . أي كما حرم الله على موسى أن يرضع من ثدي غير ثدي أمه - وكان امتناعه عن الرضاع عن علم ذوقي وإلهام من الله - كذلك وهبه الله علماً ذوقياً بحقيقة الشرائع وأوقفه على سرها . ولكنه يكني بأم موسى عن الأصل الذي انحدر منه ، وهو الحق الذي ظهر موسى بصورته . ولهذا قال فيما بعد « فأمه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته » . وقال قبل ذلك : « فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء ، فهو غذاؤه كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله » . فأم موسى اذن هي الأصل الذي غذاه بالوجود ، وهذا الأصل هو الحق . وكذلك كنَّى بلبن أم موسى عن صورة العلم الإلهي ، وهذا مطرد في جميع كتاباته ، استناداً إلى أثر يروونه من أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه يوماً أنه يشرب لبناً فأوَّلَ اللبن بالعلم . فكأن الذي حرم على موسى لم يكن في الحقيقة لبن المراضع ، بل الشرائع والاعتقادات الدينية التي اعتنقها من سبقه أو عاصره ، وهي الشرائع التي يكفِّر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً ، والتي تحل حراماً أو تحرم حلالًا ، لأن الله قد كشف له عن الشريعة الحقة - وهي شريعة وحدة الوجود في نظر ابن عربي - التي لا تعرف حلالًا ، ولا حراماً ، وانما تعرف أن كل فعل