الذي هو آخر مراتب التنزلات . وكل متعين بالتعين الكلي من المجردات العقلية والنفوس السماوية وأرواح الأنبياء إلخ ، يُفِيض على ما تحته من التعينات الجزئية ويمده بالحياة ويدبره ويتصرف فيه .
فأرواح الأنبياء على هذا الرأي من التعينات الكلية . وأرواح أممهم بالنسبة إليهم هي بمثابة الأعوان والخدم . وموسى أحد هذه الأرواح المتعينة بالتعين الكلي . وأرواح الأبناء الذين قتلوا في زمان ولادته هي الأرواح التي تحت حيطة روحه ، وفي حكم خدمه وأعوانه . فلما أراد الله إظهار موسى على فرعون وقهره إياه ، قضى بأن يقتل فرعون أبناء بني إسرائيل لتنضم أرواحهم إلى روح موسى فيتقوى بها وتجتمع فيه خواصها . فلما تعلق الروح الموسوي ببدنه ، تعاضدت تلك الأرواح في إمداده بالحياة والقوة ، وكلِّ ما هو مهيأ من الكمالات لتلك الأرواح الطاهرة . فما ولد موسى إلا وهو مجموع أرواح كثيرة توجهت إليه وأقبلت نحوه بهواها ومحبتها ونوريتها خادمة له . وقد كان أثرها فيه عظيماً ، لأنها أرواح أطفال حديثي التكوين قريبي العهد بربهم . وظاهر من هذا أن المراد بالتعينات الكلية إنما هو المجالي الكلية للواحد الحق التي نسبتها إلى المجالي الجزئية أشبه شيء بنسبة الكلي المنطقي إلى جزئياته . والأنبياء والأولياء - أو بعبارة أدق - أرواح الأنبياء والأولياء - بعض هذه المجالي . ولهذا قال محمد صلى الله عليه وسلم : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين : أي تجلى الحق في صورتي الروحية الكلية قبل خلق آدم . وقد ذكرنا أن من رأي ابن عربي أن الحق هو المتجلي في صورة كل شيء بحسب استعداد تلك الصور ، ولكنه متجلٍ في أكمل صورة في الإنسان الكامل الذي يتمثل في طبقة الأنبياء والأولياء . وإذا كانت الأنبياء من المجالي الكلية للحق ، ومن أوائل الكلمات الإلهية ( العقول الإلهية ) ، أدركنا لِمَ ينسب ابن عربي حكمة كل فص من فصوص كتابه إلى كلمة من كلمات الرسل ، كأنما يقصد بذلك أن روح كل فص والموحِي بالحكمة الواردة فيه نبي من الأنبياء
فصوص الحكم — صفحة 292
مساهمون: ابن عربي
ص٢٩٢