بدرجات يتفاوت فيها العابدون . وأعظم مجلىً يعبد فيه الحق وأعلاه هو « الهوى » لأنه أساس كل عبادة ، والمعبود الحقيقي في كل صور ما يعبد . فلا يعبد شيء الا بالهوى ، ولا يعبد هو إلا بذاته . ومن هنا وجب أن نميز بين الحق في مرتبة الألوهية الذي لا يعبد إلا بذاته ، والحق في مراتب الصور الكونية الذي لا يعبد إلا بواسطة سلطان الهوى على قلب العابد ، ولذا قال :
وحق الهوى ان الهوى سبب الهوى * ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى
يقسم بقدسية الهوى ( الحق ) أن الهوى الساري في جميع مراتب الوجود ، المعبود في جميع صوره ، هو علة الحب في جزئياته وأشكاله ، وأنه لولا وجوده وتجليه في صور المعبودات وفي قلوب العابدين ما عبد معبود ولا وجد عابد . ويذكر الشيخ في فتوحاته أنه شاهد الهوى في بعض مكاشفاته ظاهراً بالألوهية قاعداً على عرشه ، وجميع عبدته حافون من حوله : ويقول « وما شاهدت معبوداً في الصور الكونية أعظم منه » .
فالهوى إذن اسم آخر من أسماء الله ، بل هو أعظم أسمائه . قال تعالى :
« أَ فَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَه هَواه وأَضَلَّه الله عَلى عِلْمٍ » ؟ يقول ابن عربي أما أن الله أضله على علم فمعناه أنه خير العابد لهواه لظهوره وتجليه في صور الهوى ومراتبه ، وذلك الإضلال مبني على علم من الله ( والمراد من الآية في الأصل على علم من العابد لهواه ! ) بأسرار تجلياته في تلك الصور . فقد حير الله العارفين بكثرة تجلياته ، والمحجوبين بالوقوف عندما عبدوا مع علمهم أن ما عبدوه ليس إلهاً على الحقيقة ، وإن كانوا يجدون في بواطنهم ميلًا إليه وتعظيماً له .
والهوى معبود مطلق لا يعرف حدود الشرائع ولا يميز بين حلال وحرام :
فقد يرافق العابد لهواه ما يأمر به الشرع كمن يحب امرأته وكل ما هو حلال من من الرزق ، وقد لا يوافق ما يأمر به الشرع كمن يتعلق هواه بما يملكه غيره وكل ما هو حرام من الرزق .
( 6 ) « والعارف المكمّل من رأى كل معبود مجلىً للحق يعبد فيه » .
فصوص الحكم — صفحة 288
مساهمون: ابن عربي
ص٢٨٨