( 2 ) « ولذا لمّا قال له هارون ما قال . . . إلى قوله لمّا علم أنه بعض المجالي الإلهية » .
لم ينكر موسى إذن على عبدة العجل عبادتهم إلَّا من حيث إنهم حصروا المعبود المطلق في تلك الصورة الخاصة التي هي صورة العجل ، مع أن المعبود المطلق يأبى الحصر لأنه عين كل ما يعبد . وقد نبّه موسى أخاه هارون إلى هذا السر لما غضب عليه في محضر من القوم وأخذ بلحيته ورأسه . ثم أراد أن يشير إلى سر آخر غاب عن هارون وعن بني إسرائيل لما سأل السامري عن صنعه عجلًا من الذهب ليعبده القوم بدلًا من العجل الحيواني . وذلك السر هو في الحقيقة سِرُّ عبادة كل معبود . وقد عنى به موسى الحب والميل « الذي هو المقصود الأعظم المعظم في القلوب » إذ لم يزد السامري على أنه صنع للقوم عجلًا من الذهب وهو أحب الأشياء إلى قلوبهم فاستهواهم بذلك وحرك قلوبهم نحو عبادته . ولكن عبادة العجل سواء أكان ذهباً أم لحماً ودماً كفر وجهل ، وإن كان المعنى الذي تنطوي عليه عبادته هو المعنى الحقيقي في كل عبادة . أما كونه جهلًا فلأن المعبود بحق ليس محصوراً في صورة العجل ولا في أية صورة كانت ، بل هو ما في الصور كلها من الحق . والعبادة الصحيحة لا يستحقها سوى الحق الذي هو عين الكل وله هوية جميع الصور . ومما يدل على جهلهم قولهم من قبل لموسى « يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ : قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » لأن العبادة مطلقاً لا تكون إلا للرب المطلق كما قال تعالى « ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لا إِله إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوه » . والإله المجعول ليس له الخلق فلا يستحق العبادة . وأما كونه كفراً فلأن فيه توهم اشراك ما سوى الحق في الألوهية حيث لا يوجد السوي . ولكي يوضح موسى لقومه فناء الصور في الذات الإلهية الواحدة أحرق العجل وألقى برماده في اليم ، وليس العجل الا رمزاً للصور الوجودية المحدودة ، كما أن اليم ليس الا رمزاً لبحر الوجود الزاخر الذي تنمحي
فصوص الحكم — صفحة 285
مساهمون: ابن عربي
ص٢٨٥