فيه حدود جميع الصور . ولو لم يتعجَّل موسى بإحراق العجل وحَلِّ صورته لكان مآل تلك الصورة إلى الفناء من ذاتها إذ لا بقاء للصور .
( 3 ) « فإن المثلين ضدان فيسخره الأرفع في المنزلة بالمال أو بالجاه بإنسانيته » .
انتقل من الكلام عن تسخير موسى للعجل بإحراقه إياه ، إلى الكلام عن التسخير بوجه عام . وخلاصة نظريته أن الأعلى في مراتب الوجود يسخر الأدنى .
فإذا وصلنا إلى الإنسان وجدنا أنه يسخر بعضه بعضاً كما قال تعالى : « ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا » . ولكن على أي نحو يسخر الإنسان الإنسان ؟ في الإنسان طبيعتان : الطبيعة الانسانية وهي جهة الربوبية فيه ولها صفة الكمال ، والطبيعة الحيوانية وهي جهة البشرية فيه ولها صفة النقص . ولما كان التسخير دائماً للكامل ، والتسخر دائماً للناقص ، لزم أنه لا يسخر انسان انساناً من حيث انسانيته بل من حيث صفة من صفات نقصه الداخلة تحت اسم الطبيعة الحيوانية ، ككونه في درجة أنزل من درجته في المال أو الجاه أو العقل أو ما شاكل ذلك . وأما قوله : « فإن المثلين ضدان » . فمعناه أن انساناً وانساناً مثلان ، والمثلان ضدان : لأن ما يقع فيه الاشتراك بين المثلين هو محل النزاع بينهما ، وكلما كان ذلك أكثر كان النزاع فيه أشد ، فلا يخضع أحدهما للآخر ولا يسخر له . ولذلك كانت العداوة أشد ما تكون بين الأقوياء وأصحاب المهن الواحدة والطبيعة الواحدة . وإذا كان الأمر على هذا النحو ، فالمسخر ( اسم فاعل ) دائماً هو الانسانية ، والمسخَّر ( اسم مفعول ) دائماً هو الحيوانية : أي صفة من صفاتها .
( 4 ) « فالعالم كله مُسَخِّر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مُسَخَّرٍ » .
ذكر أن التسخير قسمان : تسخير بالدرجة وهو تسخير مراد للمسخر كتسخير السيد لعبده ، وتسخير الملك لرعاياه . وتسخير بالحال كتسخير الرعايا للملك ، وكتسخير الطفل لأبويه ، وتسخير الأدنى للأعلى أيّاً كانا . وهذا النوع غير مراد
فصوص الحكم — صفحة 286
مساهمون: ابن عربي
ص٢٨٦