بالمسخَّرِ ، ولكن طبيعة الأشياء تقضي أن يسخر الأعلى كل ما في وسعه في خدمة الأدنى ولمصلحته . ثم انتهى إلى نوع من التسخير ربما كان أصدق وصف نصفه به هو « التسخير الميتافيزيقي » ، وإن كان يدخله في النوع الثاني الذي هو التسخير بالحال : « أعني بذلك التسخير الميتافيزيقي تسخير العالم للحق سبحانه وتعالى . ولم يجر العرف بتسمية الله مسخَّراً كما يقول المؤلف ، ولكن طبيعة الوجود وطبيعة مذهبه يجعلان هذا التسخير أمراً لا مفر منه . والحق مسخَّر للخلق بمعنى أنه يتجلى على الخلق بشئونهم ويعطيهم من صفات الوجود ما تقضي به استعداداتهم من حيث هم مظاهر ومجال له . قال تعالى : « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ » فأتى بضمير الغائب « هو » للدلالة على أن هويته كل يوم في شأن من شؤون الخلق ظاهرة فيه بمظهر خاص من مظاهر الأسماء والصفات . والحقيقة أن الحق لا يسخره غيره لأن كل ما يطلق عليه اسم الغير إنما هو في الحقيقة عين الحق ، وإن كان من حيث التعين يسمى بالغير والسوي . فالحق هو المسخر لنفسه بحسب شؤونه وتجلياته .
( 5 ) « ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد إما عبادة تأله وإما عبادة تسخير » .
عبادة تأله كعبادة الأصنام والشمس والقمر والكواكب والحيوان ، وعبادة تسخير كعبادة الأموال والجاه والمناصب . ويرى ابن عربي أن الوجود كله سلسلة من الكائنات يسخر بعضها بعضاً ، وسلسلة من الصفات والخواص يخضع بعضها لبعض . وأنه لا يعبد شيء من الأشياء في العالم إلا بعد أن يتلبس بالرفعة في نظر العابد ، ويظهر في قلبه بدرجة التعظيم والتقديس . ولهذا ما بقي نوع من أنواع الكائنات في نظره إلا وعبد بإحدى العبادتين : عبادة التأله وعبادة التسخير . والمعبود في الكل هو الواحد الحق ، ولكنه يعبد على درجات متفاوتة في مجاليه المختلفة . ولذلك قال عن نفسه : « رَفِيعُ الدَّرَجاتِ » ولم يقل رفيع الدرجة ، لأنه هو المعبود في صورة كل ما يعبد ومن يعبد ،
فصوص الحكم — صفحة 287
مساهمون: ابن عربي
ص٢٨٧