تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
المرموز إليه بحبة الخردل ، والحكمة الباطنة هي أنه عين ذلك الوجود ، أي عين كل معلوم ، وأنه يأتي به إلى كل شيء في السماوات والأرض ، لا إلى شيء دون شيء . ومعنى إتيانه بالوجود إلى الأشياء ظهوره فيها في جميع مراتبها ودرجاتها وفي هذا إشارة إلى معنى قوله تعالى « وهُوَ الله في السَّماواتِ وفي الأَرْضِ » . ( 4 ) « إن الحق عين كل معلوم لأن المعلوم أعم من الشيء ، فهو أنكر النكرات » . ذكرنا في التعليق السابق أنه قرر أن الحق عين كل معلوم ، ولم يشأ أن يقول عين كل شيء ، لأن المعلوم أعم من الشيء إذا قصدنا بالشيء الموجود المتحقق بالفعل بحيث يخرج منه الموجود الثابت في العلم غير المتحقق في الخارج . وبما أن علم الله شامل لجميع الموجودات ، سواء ما يتحقق منها في الخارج وما لم يتحقق مما له ثبوت في العلم فقط ، قال إن « المعلوم » أعم من « الشيء » وأدخل في المعلوم المعدومات التي لها الثبوت دون الوجود الخارجي . وقد ذهب بعض المتكلمين إلى أن الشيء مساوٍ للمعلوم ، فأدخلوا الأعيان الثابتة في الأشياء مع أنها لا وجود لها إلا في العلم الإلهي ، واستشهدوا بقوله تعالى : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ » . فقد أطلق الله تعالى على العين اسم الشيء قبل كونها وتحققها في الخارج . أما قوله « فهو أنكر النكرات » فيصح أن يكون الضمير فيه عائداً على « المعلوم » كما يقول جامي ( ج 2 ص 290 ) لأنه يعم الموجودات والمعدومات أي يعم الموجودات العينية والعلمية من الممكنات والممتنعات ، والشيء مختص بالوجود العيني وحده . ويصح أن يكون عائداً على الحق سبحانه كما يقول القيصري ( ص 245 ) بمعنى أن الحق لما كان عين كل معلوم ، سواء أكان موجوداً في العين أم لم يكن ، والمعلوم أعم من الشيء ، والشيء أنكر من كل نكرة ، لزم أن الحق أنكر النكرات لأنه لا يعلم حقيقته إلا هو . والحق الذي هو أنكر النكرات بهذا المعنى هو الذات