( 3 ) « والحكمة قد تكون متلفظاً بها ومسكوتاً عنها » .
قسم الحكمة قسمين : حكمة متلفظ بها كالأحكام الشرعية ، وحكمة مسكوت عنها كالأسرار الإلهية المستورة على غير أهلها . والأولى يخاطب بها العوام ، والثانية قصر على الخواص . ومن هذا الباب بعينه تسربت إلى الإسلام البدع والشناعات وجميع التأويلات التي لا يقرها الدين في قليل ولا كثير ، تارة تحت ستار الكشف والذوق ، وطوراً تحت عنوان « علم الخواص » أو « علم الباطن » أو « المضمون به على غير أهله » ونحو ذلك .
ونحن هنا بإزاء مثال من أمثلة هذا الضرب العجيب من التأويل يوضح به ابن عربي الفرق بين نوعي الحكمة .
قال لقمان لابنه : « يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله » . فيفهم ابن عربي في هذا النص معنيين يدلان على حكمتين . أما الأول ، وهو ما يدل عليه ظاهر النص ، فهو أن لقمان جعل الله هو الآتي بحبة الخردل مهما يكن موضعها في السماوات أو في الأرض ، دالًا بذلك على إحاطة علم الله وقدرته ، وأنه لا يوجد موجود في السماوات أو في الأرض مهما كان صغيراً إلا ويعلمه الله . هذه هي الحكمة المتلفظ بها . وأما الحكمة المسكوت عنها فهي أن لقمان لم يصرح بالمؤتى إليه ، ولم يقل لابنه إن الله يأتي بها إليك أو إلى فلان أو فلان ، بل أرسل الإتيان عاماً ولم يقصره على فرد بعينه . وفي هذا تنبيه على أن ما في السماوات والأرض هو الحق لا غيره :
أي فيه تنبيه على أن ما في السماوات ( وهو ما في العالم العلوي من الحقائق الروحانية ) وما في الأرض ( وهو ما في العالم السفلي من الحقائق الكونية والآثار المادية على اختلاف مراتبها ) كل ذلك معلوم للحق ، بل إنه ليس شيئاً سوى الحق .
فالحكمة الظاهرة في الآية على هذا التأويل هي أن الحق هو الآتي بالوجود
فصوص الحكم — صفحة 279
مساهمون: ابن عربي
ص٢٧٩