تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
لا تكون معلولة معلولها في نظر العقل لأنه يحكم بأن الشيء الذي يتوقف عليه وجود شيء آخر كي يتحقق به ، لا يمكن أن يتحقق وجوده هو بتوقفه على وجود ذلك الشيء الآخر المتأخر عنه ، وإلا لزم الدور . هذا قصارى ما يصل إليه العقل ولا يستطيع أن يتعداه لأنه ينظر إلى العلة والمعلول من حيث إنهما شيئان مختلفان متمايزان وجوداً وتقديراً . أما الذوق الذي يشهد الوحدة الوجودية بين العلل والمعلولات فإنه لا يرى حرجاً من القول بأن العلة معلولة للمعلول ، كما أن المعلول معلول للعلة : وذلك أن العلل والمعلولات جميعها صور متكثرة في عين واحدة لها صلاحية قبول العلية والمعلولية باعتبارين مختلفين : فلها حال كونها علة ، صلاحية كونها معلولة وحال كونها معلولا صلاحية كونها علة ، فهي في عينها جامعة للعلية والمعلولية وأحكامهما . وليس الفرق بين الحالتين إلا في الذهن وفي النسب المفروضة في الحقيقة الواحدة . ولكن على أي نحو يؤثر المعلول في علته بحيث تصبح العلة معلولة له ؟ لا يؤمن ابن عربي بأن العلية والمعلولية معناهما مجرد الفعل والانفعال على التوالي ، لأن المعلول يفعل في العلة كما تفعل العلة في المعلول ، وينفعل عنها كما تنفعل هي عنه . وذلك أنه لولا معلولية المعلول لم يمكن أن تتحقق عليَّة العلة أي أن علية العلة موقوفة على معلولية المعلول . وإذن تكون معلولية المعلول علة لعلية العلة لأن العلية والمعلولية متضايفان يتوقف كل منهما على الآخر وجوداً وذهناً : أي أن علية العلة لا تكون ولا تعقل إلا بمعلولية المعلول ، كما أن معلولية المعلول لا تكون ولا تعقل إلا بعلية العلة . ولما كانت العلل والمعلولات جميعها صوراً ومجالي للوجود الواحد الحق ، وكان لكل منها صفتا العلية والمعلولية معاً ، صعب التمييز بين ما يصح أن نسميه منها عِللًا وما يصح أن نسميه معلولات . والحقيقة أنها كلها علل من وجه ومعلولات من وجه آخر ، وأنها علل من حيث ظهور الحق فيها ، ومعلولات من حيث صورها . وبهذه الطريقة ينفي ابن عربي كثرة العلل ويقرر وحدتها ، لأن الاعتراف بكثرة العلل شرك