المجردة في فلك الشمس ( راجع الفص الرابع ) ، ونشأة عنصرية أرضية عندما نزل إلى الأرض وأرسل إلى بعلبك باسم النبي إلياس . ولكنا ذكرنا ( تعليق 1 فص 22 ) أن إدريس ليس إلا رمزاً للعقل الإنساني في حال تجرده عن علائق البدن وتوجهه نحو المعرفة الكاملة با لله . والآن نضيف أن ( إلياس ) وهو الاسم الثاني له ، ليس إلا رمزاً للعقل نفسه في حال اتصاله بالبدن وخضوعه لشهواته وحاجاته . ولذلك قال إن من أراد أن يعرف الحكمة الإلياسية الإدريسية يجب أن يتحقق في نفسه بالحالتين جميعاً : أي يجب أن يتحقق أولًا بحيوانيته المطلقة ثم يرقى تدريجياً في سلم التجريد حتى يصبح عقلًا صرفاً فيحصل له التحقق بالنشأتين على الوجه الأكمل ، وينكشف له ما انكشف لإدريس وإلياس . وفي كلام ابن عربي في هذه المسألة وصف دقيق للمعراج الروحي والترقي الصوفي لم يذكره في أي فص آخر من فصوص هذا الكتاب .
ويظهر أنه يرى البلية العظمى في الطريق الصوفي - حيث يكون الحجاب بين السالك إلى الله وبين الحقائق الكشفية أكثف ما يكون - إنما هي الحال التي يتعلق العقل فيها بالبدن وشواغله بحيث لا يتخلص السالك في الطريق من عقله فيكون حيواناً صرفاً ، ولا يتجردُ من بدنه فيكون عقلًا صرفاً . أما إذا تحقق السالك بحيوانيته ثم ارتقى إلى مقام الكشف العقلي فإنه ينكشف له في الحالين أمور لا مجال لانكشافها في الحالات الأخرى - حالات اشتغال العقل بمطالب البدن . ولذلك يرى ابن عربي أن المريد في بدء حياته الصوفية يجب أن ينزل تدريجياً عن حكم عقله ولا يجعل له سلطاناً عليه ، ولا يعمل عقله في التفكير في شيء من الأشياء ، بل يدعه غفلًا من كل شيء عاطلًا من كل عمل حتى يتحقق بحيوانيته .
وعندئذ يصاب بالخرس فلا يستطيع النطق بأمر من الأمور إذا أراد ، ولا يقدر على تفسير ما يرى وما يشعر . وفي الوقت نفسه يحصل له نوع خاص من الكشف هو بعينه ما يحصل لغير العاقل من الدواب والأنعام ، كأن يطلع على أحوال الموتى بالتنعيم والتعذيب وغير ذلك . ثم ينبغي له أن ينتقل مرة أخرى إلى مقام
فصوص الحكم — صفحة 274
مساهمون: ابن عربي
ص٢٧٤