تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
بعد أن أورد قوله تعالى : « ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى » شاهداً على مذهبه في وحدة الوجود ، قال إنه ينبغي لكل مسلم أن يصدق بهذه الآية لورودها في القرآن الذي يجب أن يصدق به . بل يجب أن يصدق بها سواء أدرك مغزاها أم لم يدرك . أما الذي يدرك مغزاها الحقيقي فهو الصوفي صاحب الذوق الذي يعلم كشفاً وذوقاً وحدة الوجود ، وهذا هو الذي أشار إليه « بالعالم » . وهذه أول مرة يستعمل فيها كلمة « العالم » بدلًا من « العارف » . وأما الذي لا يدرك المغزى الحقيقي للآية ، بل يصدق ويؤمن بها كما وردت ، فهو المسلم المؤمن الذي يأخذ بالآيات كما جاءت ولا يحاول تأويلها وصرفها عن ظاهرها : فهو يسلم بأن الله يرمي ولو لم يدرك على أي نحو يرمي ، ويسلم بأن الله ينزل إلى السماء ويجيء ويتكلم ، وأن له وجهاً ويداً ونحو ذلك من غير أن يدرك حقيقة معاني هذه العبارات . وهذا هو موقف المشبهة والحشوية من المسلمين . بقيت طائفة ثالثة لا هي بالصوفية أصحاب الأذواق ولا بالمؤمنين الآخذين بظاهر الآيات ، وهؤلاء هم المتكلمون أصحاب النظر الذين يؤولون هذا النوع من متشابه الآيات ويحتكمون إلى العقل وحده ولكن العقل وحده في نظر المؤلف قاصر عن أن يدرك حقيقة الوجود على ما هي عليه ، وكثيراً ما يحيل أموراً يكشف عنها الذوق ويخبر بها ظاهر الشرع كما سيذكره المؤلف فيما بعد . ومن هنا كان أخذ العلم بالحقائق عن الذوق ، والتسليم بما ورد في الشرع على ظاهره أسلمَ وأبعد عن الشك والحيرة من الاحتكام إلى العقل . ( 13 ) « ومما يدلك على ضعف النظر العقلي من حيث فكره كون العقل يحكم على العلة أنها لا تكون معلولة لمن هي علة له » . هذه إحدى المسائل التي يحكم العقل باستحالتها لمناقضتها لما يعتبره الفكر أولياً بيِّناً بذاته ، مع أن التجلي والكشف الصوفي يقضيان بصحتها : والعلة
فصوص الحكم — صفحة 271 | ابن عربي