القرآن لله بأنه غني عن العالمين ، وأنه الغني وأنتم الفقراء ، وأنه الغني الحميد وما ماثل ذلك من الآيات .
( 10 ) « فلا تجزع ولا تخف فإن الله يحب الشجاعة . . . إلى قوله : لم تزل الصورة موجودة في الحد » .
عرض هنا لمسألة فساد صور أعيان الممكنات وبقائها بحدودها وحقائقها . إذ كانت أعيان الموجودات صوراً ومجالي للذات الإلهية الواحدة ، والذات الإلهية هي الوجود الأزلي الأبدي الدائم ، لزم أن الموت والفناء والفساد لا تعرض إلا للصور التي تتحول وتتغير في جوهر الوجود العام . أما الجوهر المقوم لهذه الصور فباق على الدوام ممتنع على الفساد ، في أمان تام من كل أنواع التغير . وإذا كانت أعيان الممكنات ليست إلا صوراً معقولة متعينة في هذا الجوهر ، كان لها - من هذه الناحية - مثل ما له من العزة والمنعة والأمان . وهذا معنى قوله : « فهذا هو الأمان على الذوات والعزة والمنعة » .
لكل موجود ممكن وجود في عالم الحس ووجود في العالم المعقول ووجود في حضرة الخيال ( الخيال المنفصل الذي هو عالم المثال ) . فإذا فسدت صورته الحسية بقي في حده وحقيقته : أي بقي في العالم المعقول من حيث هو تعين معقول في الذات الإلهية ، وحُفظ وجوده كذلك في عالم المثال . وهذا معنى قوله : « فإن الحدَّ يضبطها والخيال لا يزايلها » .
وإذا كان الأمر على ما وصف ، وجب علينا ألَّا نجزع من الموت ولا نخاف ، فإن الموت لن يصيب منا إلا صورنا المحسوسة : أجسامنا . فإن فنيت هذه الأجسام بقينا بحقائقنا في صورنا المعقولة والمثالية . بل يجب أن نتشجع ولو على قتل حية - كما يقول الحديث الشريف - وليست الحية سوى نفوسنا أي صورنا الخاضعة للسكون والفساد .
فصوص الحكم — صفحة 269
مساهمون: ابن عربي
ص٢٦٩