هنالك بقاء إذن بعد الموت : بل بقاء لصور أعيان الموجودات في حدودها وحقائقها : ولكنه بقاء المتعين في اللا متعين والمقيد في المطلق . ولكن على أي نحو يكون هذا البقاء ؟ أهو بقاء يحتفظ فيه الفرد بفرديته ؟ هل تبقى الممكنات بعد فناء صورها المحسوسة أموراً معقولة صرفة : عقولًا أو أرواحاً ؟ هذه أسئلة لم يجب عنها ابن عربي إجابة صريحة ، ولكن لنا أن نستنتج من أقواله أنه أميل إلى الاعتقاد بأن الوجودات الجزئية الخاصة عندما ترجع إلى الوجود العام بعد فناء صورها المحسوسة لا تفقد فرديتها وشخصيتها .
( 11 ) « والدليل على ذلك : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى » .
أي والدليل على ظهور الحق في صور أعيان الممكنات وأنه هو - لا هذه الصور - الفاعل لكل شيء والمؤثر في كل شيء قوله تعالى في حق نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : « وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى » ( قرآن س 8 آية 17 ) ، فإنه قد نفى الرمي عن الصورة المحمدية أولًا ، ثم أثبته لها وسطاً في قوله :
« إِذْ رَمَيْتَ » ثم عاد فنفاه عنها وأثبته لله في قوله : « ولكِنَّ الله رَمى » . فالرامي على الحقيقة هو الحق ولكن في صورة محمدية . ولم يثبت الرمي للصورة من حيث هي صورة ، بل من حيث هي مجلى للحق يظهر الحق الأثر على يديها . وكذلك الحال في كل عين من أعيان الممكنات : فإن لكل منها وجهاً إلى الحق يعطيها صفة الفعل والتأثير والبقاء ووجهاً إلى الخلق يعطيها صفة الانفعال والتغير والفناء .
هذا ، ويلاحظ أن الصوفية من أصحاب وحدة الوجود قد استغلوا هذه الآية وما ماثلها إلى أبعد حد واتخذوها أساساً لمذهبهم . وليس من شك في أن في القرآن آيات لو أخذت على ظاهرها لجاءت نصاً صريحاً في وحدة الوجود ، ولكن مقصود هذه الآيات شيء وما يرمي إليه أصحاب وحدة الوجود شيء آخر .
( 12 ) « فإما عالم وإما مسلم مؤمن » .
فصوص الحكم — صفحة 270
مساهمون: ابن عربي
ص٢٧٠