تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
العقل المجرد بالانقطاع عن الشهوات الجسمانية واللذات الطبيعية لتسقط عنه شهوته كما سقطت عن إلياس ، وليصير ما يدركه عين اليقين ، ويكون محققاً وذائقاً لما يعانيه ويشاهده . وهنا يشاهد السالك أموراً هي أصول لما يظهر في الصور الطبيعية : يريد بهذه الأمور شيئاً أشبه بالمثل الأفلاطونية في العالم المعقول : وهي التي يعاين صورها المحسوسة في العالم المحسوس وصورها البرزخية - في الكشف الحيواني - في عالم البرزخ أو المثال . ولكن العالم المعقول في مذهب ابن عربي ليس هو العالم المثالي الأفلاطوني وإنما هو عالم الذات الإلهية في مقام أحديتها . فكأنه يريد أن يقول إن صاحب العقل المجرد يشاهد في حال تجرده تنزلات الذات الإلهية من مقام الأحدية إلى المراتب الكونية ، وظهورها في جميع صور الموجودات العلوية والسفلية ، شريفها وخسيسها ، عظيمها وحقيرها . فإن كوشف صاحب هذا المقام - بالإضافة إلى ما ذكرنا - بأن الطبيعة هي عين النَّفَس الرحماني وليست شيئاً مغايراً له في الحقيقة ، فقد وقف على سر عظيم وهو معنى قوله : « فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » - لأنه يعلم حينئذ أن الحقيقة التي هي وجود بحت صرف ، وهي النَّفَس الرحماني ، قد تفتحت فيها مراتب الوجود بصورها التي لا تتناهى وهي باقية على حالها في عالمها . فهي أصل الكل ومنشؤه ، وإلى هذا الأصل الأول مصيره ومرجعه . عند ذلك يعرف السالك ذوقاً معنى قوله تعالى : « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ الله قَتَلَهُمْ » ، أي يعرف أن الذي قتلهم ليس الحديد من حيث هو حديد ، ولا الضارب بالحديد من حيث هو كذلك ، وإنما هو الموجود خلف صورة الحديد وصورة الضارب وهو الواحد الحق ، ولذلك قال : « فبالمجموع وقع القتل والرمي » .