عين من أعيان الممكنات تبدو في المرآة ( الذات الإلهية ) في صورتها الخاصة - أو يبدو الحق الظاهر بها في صورتها الخاصة - فيعرفه من يعرفه وينكره من ينكره . أما الذين يعرفون فهم الذين يرون في المرآة صورة اعتقادهم كما يرى الناظر إلى المرآة صورة نفسه فيها فيعرفها . وأما الذين ينكرون فهم الذين يرون في المرآة صورة اعتقاد غيرهم كما يرى الناظر إلى المرآة صورة غيره فيها فيجهلها .
وهكذا يفسر ابن عربي الأثر الوارد من أن الله سبحانه يتجلى يوم القيامة في صورة فيُعرَف ثم يتحول في صورة أخرى فيُنكر ، ثم يتحول عنها في صورة فيعرف ، وهو هو المتجلي في كل صورة .
وكما أن صور المرآة لا وجود لها في الحقيقة ، كذلك صور الممكنات في مرآة الوجود الحق لا وجود لها في الحقيقة ، إذ لا وجود إلا للمرآة - في حالة المثال - وللذات الإلهية - في حالة الممثل .
هذا وقد فسر القاشاني ( ص 363 - 4 ) قول المؤلف « وليس في المرآة صورة منها جملة واحدة » بمعنى أنه ليس في المراة صورة واحدة من تلك الصور هي مجموع تلك الصور جملة واحدة ، لأن المرآة لا يوجد فيها إلا ما قابلها وهو الصور الكثيرة . وفسرتها أنا بمعنى أنه لا يوجد في المرأة صورة واحدة على الإطلاق .
ويلاحظ أن الذات الإلهية المشبهة بالمرآة الظاهر فيها الصور ، إنما هي الذات الإلهية المتجلية بالأسماء ، أي الذات كما ندركها في صور الموجودات أو في صور الأسماء الإلهية الظاهرة في هذه الموجودات ، إذ كل اسم من الأسماء الإلهية إنما هو بالنسبة إلى صور الموجودات التي يتجلى فيها كمرآة بالنسبة للصور الظاهرة فيها . ولذلك أشار في كلامه إلى المرايا بالجمع ، يريد الأسماء الإلهية ، لا إلى مرآة واحدة . أما الذات الإلهية من حيث هي ، أو من حيث تجليها الذاتي ، فإنها لا تعرف ولا تنكر ولا يقال فيها انها تظهر فيها صور الوجود :
فهي في ذاتها منزهة عن كل صورة وكل تعين . وهذا في نظر المؤلف معنى وصف
فصوص الحكم — صفحة 268
مساهمون: ابن عربي
ص٢٦٨