تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
نظر ابن عربي : إذا نظرنا إليها من وجه وراعينا فيها جانب الفعل سميناها الحق ، وإذا نظرنا إليها من وجه آخر وراعينا فيها جانب الانفعال أطلقنا عليها اسم العالم . ولكن الفعل والانفعال مقولتان يخضع لهما العقل البشري في تفكيره ويستعين بهما على فهم الوجود ، ولكنهما لا تعبران عن حقيقة الوجود في نفسه . فإذا كان لا بد لنا من التمييز بين الحق والخلق - الله والعالم - فأبرز صفات الأول صفة العلية وما يتبعها ، وأبرز صفات الثاني صفة المعلولية وما يتبعها . وإذا ورد لنا خاطر يتصل بأمر وجودي سهل علينا - على هذا النحو - أن نرده إلى الله أو إلى الحضرة الإلهية إن كان فيه صفة الفعل ، أو نرده إلى العالم أو الحضرة الكونية إن كان فيه صفة الانفعال ، وان كان كل أمر في الوجود لا يرد في الحقيقة إلا إلى حقيقة واحدة . ( 6 ) « كما كانت المحبة الإلهية عن النوافل من العبد » . شرحنا كيف يعتبر المؤلف مبدأ العلية والمعلولية أساساً الوجود بأسره ، وكيف ينسب جانب الفعل إلى الحق وجانب الانفعال إلى الخلق مع أن الوجود في جوهره حقيقة واحدة . والآن نراه يسوق مسألة الحب الإلهي الناشئ من تعبد العبد بالنوافل شاهداً على وجود هذا المبدأ ، يؤيده الحديث الوارد فيه وهو الحديث القدسي الذي يقول الله فيه « ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها » إلخ . فيرى المؤلف أن في هذا الحديث إشارة إلى مؤثر ( علة ) وهو النوافل ومتأثر ( معلول ) وهو المحبة الإلهية إذ المحبة الإلهية للعبد نتيجة لازمة عن تقرب العبد إلى ربه بالنوافل . وقد يبدو في ظاهر هذا الكلام تناقض لما قرره من قبل أن المؤثر على الإطلاق وبكل وجه وفي كل حضرة هو الحق . ولكن لا تناقض على الحقيقة إذا اعتبرنا أن المؤثر في صورة العبد المتقرب بالنوافل هو الحق الظاهر بهذه الصورة ، لأن النوافل أفعال وجودية ظاهرة من الحق في
فصوص الحكم — صفحة 263 | ابن عربي