التفسير ولكني أفضل ما ذهبت إليه .
( 5 ) « فالمؤثر بكل وجه وعلى كل حال وفي كل حضرة هو الله . . . إلى قوله فإذا ورد فالحق كل شيء بأصله الذي يناسبه » .
لم يذكر صراحة فاعل « ورد » مما دعا إلى غموض النص واختلاف الشراح فيه ، فإن جامي مثلًا يرى أن المراد بالوارد الآثار من الكتاب أو السنة ، ويفهم العبارة على أنه إذا وردت آية أو حديث يشيران إلى ناحية التأثير ، فألحقهما بالأصل الذي يناسب معناهما . وإذا وردا في شيء يتعلق بالتأثر فألحقهما بالأصل الذي يناسب معناهما . ويرى القيصري أن المراد بالوارد الوارد الإلهي . ولعله يقصد بذلك المعنى الذي يلقيه الله في القلب القاءً فيتذوقه صاحبه من غير تدبر أو تفكير : فإذا ورد مثل هذا المعنى وكان خاصاً بالله نسبه صاحب الكشف إلى أصله ، وإذا ورد وكان خاصاً بالعالم نسبه إلى أصله الآخر .
وإنني أرى أنه من الممكن أن يكون المراد بالوارد كل فكرة تخطر بالبال وتتصل بالأمر الذي قال إنه ينقسم إلى مؤثر ومؤثر فيه ، وأن معنى العبارة أنه إذا خطرت ببالك فكرة عن أمر وجودي فأحق هذا الأمر بإحدى المقولتين اللتين أشار إليهما وهما مقولتا الفعل والانفعال ، فإن كل أمر وجودي لا يخلو عن أن يكون علة أو معلولًا فاعلًا أو منفعلًا . ويدل ظاهر العبارة على أن ابن عربي يعترف بأصلين أو مبدأين يستند إليهما الوجود : هما مبدءا العلية والمعلولية أو التأثير والتأثر ، ولكن هذه الثنوية ليست سوى ثنوية صفات تتصف بها حقيقة واحدة لا انقسام فيها ولا تعدد ، وليست بحال من الأحوال ثنويةً جوهرية تفترض وجود جوهرين مختلفين متمايزين ، جوهر فاعل وآخر منفعل . وليس هناك ما يمنع القائل بوحدة الوجود أن يقول بثنوية الصفات في الحقيقة الوجودية الواحدة كما قال اسبينوزا بوجود صفتي الامتداد والعقل في الجوهر الواحد الذي هو أصل جميع الموجودات . الحقيقة إذن واحدة في
فصوص الحكم — صفحة 262
مساهمون: ابن عربي
ص٢٦٢