المؤثر والأخرى للمجيب المتأثر ، كما يقتضي أن التأثير للعبد والتأثر للحق ولكن الأمر في الحقيقة على خلاف ذلك : إذ عين الداعي عين المجيب بالرغم من اختلاف صورتيهما . نعم توجد صورتان : إحداهما كونية إنسانية وهي صورة الداعي ، والأخرى إلهية أسمائية وهي صورة المجيب ، ولكنهما صورتان لحقيقة وعين واحدة . وليس التأثير المعزو إلى الأولى معزوا إليها من حيث هي صورة كونية إنسانية ، بل من حيث هي مجلى من مجالي الحق : أي أن المؤثر على الحقيقة هو الله . وأما المتأثر فهو العبد لظهور أحكام الإجابة فيه . وخلاصة القول أن الأمر في نفسه وحدة في كثرة أو كثرة في وحدة ، وأن التفرقة بينهما تفرقة اعتبارية محضة .
ولما قرر هذه المسألة التي هي لب مذهبه وجوهره والمحور الذي يدور عليه جميع تفكيره أخذ يتلمَّس لها أنواعاً من التشبيه والتمثيل لا تزيدها في الواقع إلا غموضاً وتعقيداً . وغاية ما يقال فيها أنها أقيسة مع الفارق . فقد شبه النسبة بين العين الوجودية الواحدة والصور المتكثرة المتغايرة بالنسبة بين النفس الواحدة الشخصيّة وبين بدنها المتكثر بصور أعضائه . فزيد مثلًا حقيقة واحدة ولكنه كثير بصور أعضائه . فهو كثرة في وحدة أو وحدة في كثرة . وكل صورة من صور أعضائه مختلفة متغايرة عن الصورة الأخرى ، كاليد التي تختلف عن الرجل وعن الرأس . ولكن هذه الكثرة الصورية يتألف منها كلُّ واحد هو زيد . وفي هذا التمثيل من التضليل ما فيه : أولًا لأنه يصور المسألة تصويراً مادياً ويجعل النسبة بين الحق والخلق أشبه بنسبة الكل المادي إلى أجزائه ، وهذا ما لا يرضاه ابن عربي نفسه لأنه لا يرمي مطلقاً إلى هذا التفسير المادي للوجود ، ثانياً إن من الصعب أن نفهم أن صورة يد زيد أو صورة رجله أو أي عضو من أعضائه إنما هي مجلى لزيد بنفس المعنى الذي به يقال إن صورة كيت وكيت من صور الممكنات مجلى للحق ، بدليل أننا نستطيع أن نقول - في عرف أصحاب وحدة الوجود - إن كذا من الموجودات هو الحق - أي أنه صورة للحق - ولا
فصوص الحكم — صفحة 266
مساهمون: ابن عربي
ص٢٦٦