المشبه فيجيز تجلي الحق للنائم في صورة من صور على نحو ما يعتقد من تجليه يوم القيامة على خلقه في صورة من الصور ولا يرى بأساً من هذا . وأما صاحب الكشف والإيمان فيعطي صورة الحق في النوم حقها من التنزيه بأن يقول إنها صورة للحق ولكنه ليس منحصراً فيها بل يتجاوزها إلى غيرها من الصور التي لا تحصى عدداً ، كما أنه ظاهر في العالم الخارجي بصور أعيان الممكنات من غير أن تحصره واحدة منها . وهذا هو معنى التنزيه عنده ، أي أنه يقول « إن الحق من حيث ذاته منزه عن الصور العقلية والمثالية والحسية كلها لعجز العقول والأوهام عن إدراكها ، وإن كان بحسب أسمائه وصفاته وظهوره في مراتب العالم غير منزه عنها » ( القيصري ص 232 ) . أما حق الصورة من التشبيه فهو إعطاؤها كل مشخصاتها ومميزاتها الخاصة بها من حيث هي كذلك ، مثل الشكل والوضع والمكان والزمان وغيرها . ومعنى هذا أن ابن عربي يفهم من التشبيه والتنزيه الذي ينسبه إلى صاحب الكشف والإيمان معنى الإطلاق والتحديد ، لا التنزيه والتشبيه اللذان يفهمهما عادة أهل الكلام والفلاسفة . وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى في تعليقاتنا على التنزيه والتشبيه في الفص النوحي .
وإذا كان الأمر كذلك : أي إذا كان كل منا يصور الحق بصورة ما يقضي بها استعداده فتكون صورة تنزيه أحياناً وصورة تشبيه أحياناً أخرى ، أو تجمع بين الأمرين ، تبيّن لنا مغزى قول ابن عربي « فا لله على التحقيق عبارة لمن فهم الإشارة » . أي أنه لفظ يفهمه كل إنسان بحسب استعداده وعلمه بنفسه وبالعالم المحيط به ، أو هو رمز لصورة اعتقاده الخاص . والله الذي هو عبارة بهذا المعنى هو الإله المخلوق في الاعتقاد الذي أسلفنا ذكره ، لا الله من حيث هو في ذاته ، فإنه من هذه الحيثية يتعالى عن كل علم وكل فهم . وقد فسر القيصري « الله » في قول المؤلف « فالله على التحقيق عبارة » بأنه « الله » الوارد في قوله تعالى « رُسُلُ الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه » كأنما يريد أن لفظة الله في الآية انما هي في الحقيقة عبارة عن حقيقة ظهرت في صورة الرسل . ولا بأس بهذا
فصوص الحكم — صفحة 261
مساهمون: ابن عربي
ص٢٦١