تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
إلى الله ذاته وإنما يتوجهون إلى الأسباب الخاصة : أي لا يتوجهون إلى المسبِّب بل يتوجهون إلى الأسباب التي لا فعل لها ولا أثر لها من ذاتها ، وإنما تفعل وتؤثر لأن الله يفعل عند حضورها . والأسباب الخاصة التي يفعل الله عند حضورها كثيرة . فإذا اتجه الإنسان بالدعاء إلى الله أن يكشف عنه ضراً بواسطة سبب خاص ولم يتعلق العلم الإلهي بهذا السبب ولم يقتضه زمان معين أو وقت خاص قدر الله فيه رفع الضر عن هذا الداعي ، لم يحصل له استجابة من الله ، فيظن الداعي أنه دعا الله ولم يستجب له ، والواقع أنه لم يدع الله وإنما دعا ذلك السبب . بقي أن نشرح الوقت والزمان . أما الزمان فهو في عرف الفلاسفة مقياس حركة الفلك الأطلس . وفي عرف المتكلمين مجموعة من الآنات نستطيع بوساطتها أن نعين وقوع حدث غير معلوم بحدث معلوم . أما الوقت فهو « الحال » في عرف الصوفية وهو « الآن » الذي يكون فيه أي شيء على ما هو عليه . فالسبب الخاص الذي لم يحن زمانه ولا وقته في رفع الضر عمن يتوجه إلى الله برفعه بوساطته ليس من الأسباب التي يستجيب الله عندها لدعاء الداعي . ويفرق ابن عربي بين السبب الكلي والأسباب الكونية الخاصة على نحو ما فرق بين الحق والخلق والواحد والكثير والله والعالم . وهو يرى أن الأسباب الخاصة إنما هي أمور اختلقها العقل في محاولته فهم حقيقة الوجود : لأن العقل البشري غير المؤيد بالوحي أو الإلهام الصوفي قد عجز عن إدراك الوجود في وحدته . أما السبب الكلي فهو أصل كل ما نسميه بالأسباب أي أنه هو الفاعل على الحقيقة والمؤثر في كل ما نعزوه إلى الأسباب الخاصة . هو الجزء الإلهي في كل موجود ، الصادر عنه كل تغير وكل حركة . وإذا كان لا بد لنا من القول بوجود كثرة في الأسباب لوجود كثرة في المسببات ، فإننا لا بد أن نعترف بأن هذه الأسباب ليست إلا وسائل أو وسائط على يديها يعمل المسبِّب الواحد الذي
فصوص الحكم — صفحة 239 | ابن عربي