تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
وبين قول الله مشيراً إلى يحيى : « وسَلامٌ عَلَيْه يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا » فالفرق بين الحالتين أن المتكلم في الحالة الأولى هو المسيح نفسه . وفي الثانية المتكلم الله . ومن هنا كان قول الله في يحيى أكمل في الاعتقاد وأرفع للتأويلات عن قول عيسى الذي تكلم به في المهد . أي أن ما ورد في حق يحيى لم يحدث تبلبلًا في الاعتقاد ولا خلافاً في الرأي كما حدث في أمر عيسى في تفسير ما نطق به . ولكن للمسألة مغزىً صوفياً آخر يرمي إليه المؤلف ، فإن المراد بالسلام الوارد في الآيتين هو أمن النفس وطمأنينتها ، وهذا قد وهبه الله لكل من يحيى وعيسى يوم ولدا : أي يوم بدءا في سفرهما الروحي إلى الله ، كما وهبه لهما يوم ماتا أي عند انتهاء هذا السفر ، وفي يوم بعثا إلى الحياة مرة أخرى أي في اللحظة التي حققا فيها وحدتهما الذاتية مع الحق . فالمراد بالبعث هنا البعث الروحي ، وهو في اصطلاح مؤلفنا التحقق بوحدة الوجود . أما إن آية يحيى أكمل في الإشارة إلى الاتحاد فراجع إلى أن عيسى تكلم عن نفسه في قوله : « والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ » إلخ فأثبت لنفسه وجوداً إلى جانب وجود الحق ، وهذا أدخل في الثنوية وأبعد عن الاتحاد ، بخلاف الحال في آية يحيى التي كان المتكلم فيها هو الحق نفسه : والحق هو الوجود الكلي أو هو وحدة الوجود .
فصوص الحكم — صفحة 242 | ابن عربي