تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
الله لأن كل شيء منه وإليه ، والوجه الآخر هو رأي المتكلمين الذين يعتبرون الله مخالفاً لجميع الحوادث وينظرون إليه من حيث هو إله معبود ، فإن العبادة تتضمن اثنينية العابد والمعبود ولا يقول بهذه الاثنينية إلا المحجوبون عن حقيقة الوحدة الوجودية . ( 5 ) « ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء شراباً لإزالة ألم العطش الذي هو من النُّصب والعذاب الذي مسه به الشيطان » . كلمة شيطان مشتقة من شطن التي من معانيها بَعُدَ ، فالشيطان الذي مس أيوب وورد ذكره في القرآن في قوله : « أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ » إنما هو البعد عن الحقيقة والجهل بها . ومن معاني كلمة شيطان في اللغة العربية عطش الصحراء لأن العرب يسمون العَطش شيطان القلا . ولهذا قرن المؤلف الشيطان بالماء الذي شربه أيوب ليزيل عنه ألم ذلك العطش ، فهو لا يريد بالشيطان مطلقاً المعنى المتعارف . فالعطش الذي أحس أيوب بألمه - كما شرحنا ذلك في التعليق الأول من تعليقات هذا الفص - إنما كان شوقه إلى معرفة الحقيقة التي كان يجهلها ، والشيطان الذي مسه بالنُّصب والعَذاب لم يكن سوى حالة الحرمان الروحي التي كان عليها . ( راجع الفيروزآبادي في مادة شطن ) . ( 6 ) « فكل مشهود قريب من العين ولو كان بعيداً بالمسافة ، فإن البصر يتصل به من حيث شهوده ولولا ذلك لم يشهده ، أو يتصل المشهود بالبصر » . تشير هذه العبارة إلى نظريتين من أقدم النظريات في الإبصار : الأولى نظرية أفلاطون في طيماوس وهي أن البصر كغيره من الحواس يدرك المبصرات إدراكاً لمسياً بواسطة شعاع يخرج من العين ويقع على الأشياء المبصرة ، والثانية هي نظرية أرسطاطاليس وهي أن المبصرات تنطبع صورها على شبكية العين عندما ينيرها مصدر من مصادر الضوء ، وعلى كلتا النظريتين يحصل اتصال مباشر بين البصر والمبصرات مهما بعدت المسافة بينهما .