الفص الثامن عشر
( 1 ) النقطة الأساسية التي يحوم حولها هذا الفص هي الإنسان ، طبيعته ومنزلته من الوجود ، ولذا نجد وجوه شبه كثيرة بينه وبين الفص الأول لا سيما في اعتبار الإنسان كوناً جامعاً صغيراً يحوي الكون الجامع الأكبر ويمثل عناصر الوجود فيه . ولكننا نجد في هذا الفص خاصة إشارات قوية إلى القيمة الانسانية وكرامة الإنسان عند الله الذي خلقه على صورته ، كما نجد دعوة حارة من المؤلف إلى الإبقاء على النوع الانساني وصيانته ، وتحذيراً قوياً ضد هدم النشأة الانسانية لأن في هدمها قضاء على أكمل صورة لله في الوجود .
وللفص صلات أخرى بالفصين السابقين عليه لا سيما فيما يتصل بموضوع الخلافة ، غير أن هذا الموضوع يعالج هنا معالجة خاصة من الناحية السيكولوجية ، فإن المؤلف يشرح النفس الانسانية وطبائعها الثلاث ويبين أنه ما دام الإنسان حياً فإنه يرجى له أن يصل إلى أعلى درجة من درجات الكمال التي يستطيع أن يصل إليها .
أما نسبة حكمة هذا الفص إلى يونس فلا يمكن تعليلها إلا على أساس أن المؤلف يعتبر يونس مجرد رمز للنفس الانسانية الناطقة التي نادت ربها في ظلمات البدن - المرموز إليه في القرآن بالحوت - فإنه صاح في الظلمات « أَنْ لا إِله إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ من الظَّالِمِينَ » ( قرآن س 21 آية 88 ) . وإذا كان في مقدور النفس الانسانية وحدها أن تعرف الله وأن تسبحه وتقدّسه ، فهي الجديرة وحدها بأن تحمل اسم الإنسان وأن تكون منه موضع الكرامة . بهذه الطريقة نستطيع أن نفسر الصلة بين موضوع هذا الفص واستعمال اسم يونس هذا الاستعمال الرمزي .
فصوص الحكم — صفحة 231
مساهمون: ابن عربي
ص٢٣١