الإنسان نفسه . فإن الإنسان الذي يطيع الأمر الإلهي أحياناً ويعصيه أحياناً أخرى يطيع في الوقت نفسه دائماً طبيعته الخاصة التي تخضع لقانون الوجود العام . وهذا القانون هو قانون المشيئة الإلهية . فمن حيث خضوع الإنسان في أفعاله لطبيعة ذاته يجعله ابن عربي مسئولًا عن خيرها وشرها وإن كان في الوقت نفسه يسلب هذه الطبيعة كل قوة عندما يخضعها لقانون المشيئة الإلهية .
( 8 ) « فيكون الحكم لها في كل واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها » .
من الواضح أن المراد بالرحمة هنا هو منح الوجود للموجودات لا الرحمة بمعناها الديني المعروف . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في مواضع أخرى من هذا الكتاب ، وبهذا المعنى وسعت رحمة الله كل شيء وتقدمت على كل شيء حتى على الغضب الإلهي الذي هو الحرمان من الوجود . فإذا رحم الله شيئاً بهذا المعنى أوجده في الصورة التي تقتضيها طبيعة الشيء ذاته . وهذا معنى قوله إن حكم الرحمة في المرحوم يكون لها بحسب ما تعطيه حال المرحوم نفسه . وليست الرحمة الإلهية قاصرة على إيجاد الأشياء ، أي أعيان الموجودات ، بل تشمل الأفعال الانسانية أيضاً . قارن الفص السادس عشر ، التعليق الثالث .
( 9 ) « فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا » .
سبق أن ذكرنا أن كلمة فهم ترادف في اصطلاح ابن عربي كلمة الذوق أو الكشف الصوفي . قارن الفص 16 تعليق 19 . وهو يرى أن الفهم وحده هو الوسيلة التي يعرف بها الإنسان كيف وسعت الرحمة الإلهية كل شيء ، وكيف كانت الغاية التي يتجه إليها كل شيء ، فإن غاية كل موجود هي أنه يوجد ، والرحمة الإلهية هي الموصلة إلى ذلك الوجود .
( 10 ) « فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك منك . . فهذا روح تليين الحديد » .
في هذه الفقرة موازنة بين الحماية من الحديد بالحديد ، والاستعاذة من الله با لله .
فصوص الحكم — صفحة 229
مساهمون: ابن عربي
ص٢٢٩