وتقديسها لله . ويكون تجلي الله للعبد أكمل ما يكون عندما تتحقق الوحدة بين الذاكر والمذكور ولا يكون هذا إلا للإنسان . ولذا يقول ابن عربي فيما بعد « وذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر الله الذكر المطلوب منه » .
( 3 ) « فإذا أخذه إليه سوَّى له مركباً غير هذا المركب من جنس الدار التي ينتقل إليها ، وهي دار البقاء » .
لا يعتبر ابن عربي أن في الموت فناءً للميت وإنما هو تفريق أجزاءٍ . بل إن للموت عنده معنى أوسع بكثير من المعنى العادي لأنه يمثل نقطة الانتقال من حال إلى حال أو من صورة إلى صورة في مجرى الوجود الدائم التغير والتحول :
فإن كل موجود ينتقل في كل آن من صورة إلى صورة أخرى فيفنى في الأولى ويبقى في الثانية . وهذا هو الخلق الجديد كما أشار إليه مراراً . فالموت إذن هو فناء الصور ، أما الذات التي تعرض لها هذه الصور فهي باقية على الدوام .
على أن العبارة المذكورة قد يفهم منها معنى التناسخ على نحو ما يفهمه فلاسفة الإشراق ، فإننا لا نعرف على سبيل التحقيق ما يريد ابن عربي بالصورة ( التي يشير إليها باسم المركب ) التي يسوي الله للإنسان غيرها عندما يأخذه إليه ، ولكن ليس هناك من شك في أنه لا يدين بمبدإ عودة الإنسان إلى هذا العالم بشخصه في أية صورة أخرى ، فإنه يصرح أن الدار التي ينتقل إليها الإنسان هي دار البقاء . وليس لها معنى في عرف أصحاب وحدة الوجود إلا الذات الإلهية . ليس في هذه الدار إذن موت ، أي ليس فيها تفرق في أجزاء الجسم .
وفي هذا إشارة إلى أن المركب الذي يسويه الله للإنسان عندما ينتقل إليه ليس جسماً . على أن بعض شراح الفصوص يرون أن ذلك المركب سيكون من صورة مثالية تختلف في لطافتها أو كثافتها بحسب المرتبة الروحية التي بلغها المنتقل إلى الله
.
فصوص الحكم — صفحة 233
مساهمون: ابن عربي
ص٢٣٣