( 2 )
« ذكر الله » .
الذكر في الأصل معناه التلفظ أو التذكر ، ولكن هذه الكلمة قد اكتسبت معنى أوسع من هذا في الاصطلاح الصوفي غير أنها تستعمل في هذا الفص استعمالًا خاصاً محدوداً ، فإن المؤلف يستعملها مرادفة لكلمة الفناء بالمعنى الذي يفهمه أصحاب وحدة الوجود : أعني الحال التي يتحقق فيها الصوفي بوحدته الذاتية مع الله . فذكر الله معناه هنا الحضور مع الله والفناء فيه وهذا يقتضي الصوفي أن يجمع جميع قواه البدنية والروحية بحيث يكون حضورها جميعاً تاماً مع الله ، وإذا وصل الصوفي إلى هذا المقام انكشف له الحق وانمحى كل أثر بين الواحد والكثير : أي بين الحق والخلق والذاكر والمذكور وتحققت وحدة الاثنين .
وغني عن البيان أن المراد « بذكر الله » الوارد في الحديث التعبد جملة والتأمل الذي ينأى بصاحبه عن الفحشاء والمنكر ، ويحصل له الطمأنينة النفسية كما وردت بذلك الآيات القرآنية : قال تعالى : « إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ » . وقال : « أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » .
ولكن الذكر كما يفهمه ابن عربي ويشرحه فيما بعد معناه كما قلنا التحقق بوحدة الوجود وهو في نظره أعلى مرتبة من ذكر أي كائن آخر ، لأنه صادر عن أكمل المخلوقات . على أن ذكر الإنسان لله قد يكون في مراتب أخرى أدنى من هذه وذلك إذا كان صادراً عن اللسان وحده أو القلب وحده . أما إذا صدر عن الإنسان في مرتبة الجمعية وسرى في كل جزء من أجزائه الروحية والبدنية فإنه يمثل أرقى حال وأكمل سعادة يمكن أن يصل إليهما السالك إلى الله . في هذا تتمثل الكرامة الانسانية ويظهر فضل الإنسان على سائر المخلوقات حتى الملائكة ، فإن كل مخلوق يذكر الله ويتجلى له الله بحسب مرتبته في الذكر - وهذا معنى أشار إليه ابن عربي في مواضع أخرى عندما تكلم عن تسبيح الكائنات
فصوص الحكم — صفحة 232
مساهمون: ابن عربي
ص٢٣٢