إنسان بعينه أن يأتي فعلًا غير ما قضت به المشيئة . فهنا نوع من الجبرية ولكنها جبرية منصبة على المشروط الذي هو الفعل لا على الشرط الذي هو الفاعل .
وليس هناك تناقض بين أن يشاء الله حصول معصية من المعاصي وبين تحريمه ارتكابها ، فإن فعل المعصية من حيث هو فعل تقضي به المشيئة الإلهية ، وليس لها شأن بتحققه على يد فلان أو فلان من الناس ، فإن هذا التحقق يرجع أمره إلى الناس أنفسهم ، فإن فعلوا ما يوافق الأمر الإلهي ( أمر الشرع ) سمِّي فعلهم طاعة ، وإن فعلوا ما يخالف ذلك الأمر سمي فعلهم معصية . والفعل في كلتا الحالتين موافق تمام الموافقة للأمر التكويني الذي به تظهر الأشياء في وجودها على نحو ما كانت عليه في ثبوتها في العلم القديم . راجع التعليق التاسع في الفص الثامن .
( 7 ) « ويتبعه لسان الحمد أو الذم على حسب ما يكون » .
لا يعتبر الفعل محموداً أو مذموماً إلا في نظر الشرع لأنه إما أن يوافق أو يخالف الأوامر الشرعية التي أتى بها دين من الأديان . أما في نظر الله أو في نظر المشيئة الإلهية التي لها أمر التكوين ، فالأفعال لا محمودة ولا مذمومة ، ولكنها حتمية الوقوع لأنها صادرة عن المشيئة الإلهية القديمة الخاضعة بدورها لطبيعة الأشياء ذاتها فالجبرية التي يقول بها ابن عربي ليست راجعة إلى عامل خارج عن طبيعة الأشياء بل مصدرها في النهاية طبائع الأشياء ذاتها . راجع الفص الثامن .
أما مشيئة الله تعالى حدوث الأفعال التي توافق أوامر الشرع وحدوث الأخرى التي تخالفها ، فلإظهار أثر صفات الجلال والجمال في صور خارجية . فإن الطاعة وما يتبعها أثر ومظهر لصفات الجمال ، والمعصية وما يتبعها أثر ومظهر لصفات الجلال .
ويحاول ابن عربي أن يحمل الإنسان جزءاً من تبعة أعماله في وسط هذه الجبرية الصارخة التي يقول بها . فإنه يرى أن الطاعة والمعصية يصدران عن طبيعة
فصوص الحكم — صفحة 228
مساهمون: ابن عربي
ص٢٢٨