والنوع الثاني من الاجتهاد هو اجتهاد أرباب النظر الذين يعتمدون على العقل والاستدلال دون الذوق والكشف : إن صح - أي إن طابَقَ ما ورد في الشرع - فبمحض المصادفة ، وإن أخطأ فلا سبيل لمعرفة صاحبه بخطئه ولا لمعرفة غيره ممن يتخذون العقل عماداً لهم في اجتهادهم بمثل هذا الخطأ . وإنما يعرفه الولي الذي تنكشف له أصول الشرع وقوانينه بالإلهام والذوق .
( 4 ) « وأما قوله عليه السلام إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما . . . » اختلف الشراح في تفسير هذه الفقرة لصعوبتها ورداءة أسلوبها . غير أن معناها العام يمكن أن يلخص فيما يأتي : للخلافة نوعان ، خلافة روحية أو باطنة ، وخلافة حكم أو ظاهرة ، وكلا الخلافتين فيه تمثيل لله ونيابة عنه في الأرض ، ولا يختلفان إلا في أن الخليفة الباطن يستمد علمه من الله مباشرة ، في حين أن الخليفة الظاهر ليس إلا تابعاً للرسول يستمد علمه منه . والأول هو خليفة الله على الحقيقة . أما الثاني فهو خليفة الله من حيث هو خليفة رسول الله .
ولا يستحق اسم الخلافة إلا إذا عَدَل في خلافته . لم يذكر النبي في الحديث المذكور شيئاً عن عدد الخلفاء الباطنيين ، فقد يوجد منهم في الزمان الواحد واحد أو أكثر من واحد ، ولو أن بعض الشراح مثل القاشاني والقيصري قد قرروا استحالة وجود أكثر من خليفة باطني واحد في أي زمان ، وذلك الخليفة هو الذي يسمونه بالقطب . غير أن الحديث صريح في أنه إذا بويع خليفتان في زمان واحد وجب قتل الآخر منهما فلا بد أن يكون المراد بالخلفاء هنا الخلفاء الظاهريين . وحكمة القتل في نظر المؤلف ترجع إلى أن مبايعة خليفتين كل منهما ممثل لله في الأرض توهم بوجود إلهين لأن قبول الاثنين على أنهما ممثلان ظاهران لله يتضمن التسليم بوجود إلهين ، وهذا مخالف لعقيدة التوحيد الاسلامية ، أما الخلفاء الباطنيون فلا يظهرون بين الناس بخلافتهم ولا يُعرفون بها ولا بيعة لهم فلا خطر منهم على عقائد الناس .
فصوص الحكم — صفحة 226
مساهمون: ابن عربي
ص٢٢٦