الذي أخذ منه الرسول علمه : وهو بهذا المعنى وارث الرسول بل مشارك له في رسالته ، وله القدرة على أن يغيِّر ما شاء من قوانين الشرع التي وصل إليها غيره من المجتهدين كما سيحدث عندما ينزل عيسى عليه السلام إلى هذه الأرض ويحكم فيها بشرع النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه سيرد الإسلام إلى سيرته الأولى ، وينقض بعض أحكام المجتهدين من المسلمين لا سيما ما حدث فيها خلاف حول نص خاص من نصوص الدين . بل إن لهذا الخليفة الإمام الحقِّ في أن يرفض التسليم بصحة أي حديث نبوي اتخذه غيره أساساً لاجتهاده في مسألة من المسائل ثم كُشِفَ لهذا الإمام عن خطأ هذا الاجتهاد .
وعلى هذا فللاجتهاد نوعان عند ابن عربي : الأول اجتهاد الأولياء ( وهم الأئمة الخلفاء الذين أشرنا إليهم ) وهو حكمهم في مسألة من مسائل الشرع بما يطابق ما ورد في شريعة الرسول - أو يطابق حكم الله في هذه المسألة لو أن الله تعالى قد تولاها بنفسه . ولهؤلاء الأولياء نفس المرتبة الروحانية التي للرسل ، وعلمهم بالشرع المحمدي مستمد من نفس المصدر الذي استمد منه محمد عليه السلام علمه بشرعه ، لأنهم يأخذون هذا العلم عن الله مباشرة ، ويترجمون هذا العلم إلى الناس . فهم ألسنة الحق بين الخلق ، وهم الكاملون من الناس الذين لم يزل الله يلقي كلامه إلى قلوبهم : « فإن كلام الله ينزل على قلوب أولياء الله تلاوة فينظر الولي ما تلي عليه مثل ما ينظر النبي فيما أنزل عليه فيعلم ما أريد به في تلك التلاوة كما يعلم النبي ما أنزل عليه فيحكم بحسب ما يقتضيه الأمر » ( 1 ) .
وهذا معناه أن النبوة العامة لم تنقطع بموت النبي محمد عليه السلام وإن كانت الرسالة قد انقطعت .
هامش
( 1 ) فتوحات ج 2 ص 666 .