الديني الخطير ومركز الرسالات التي بعثوا بها إلى الناس ، قد وضع حداً فاصلًا بين نوعين من النبوة : النوع الأول وهو ما يسميه نبوة الاختصاص غير المكتسبة ، والنوع الثاني وهو النبوة المكتسبة . ولا يطلب الله على منح النوع الأول جزاء ولا شكوراً ، كما أنه لا يمنحه لمن أراد في مقابلة عوض . أما النوع الثاني وهو النبوة المكتسبة فهو درجة من درجات الروحية التي يصل إليها الإنسان بطرق خاصة ، كما يصل الصوفية إلى حالتهم الروحية الخاصة المعروفة بحال الوجد أو الفناء .
( 3 ) الاجتهاد .
تستعمل كلمة الاجتهاد في الفقه الإسلامي للدلالة على المنهج الخاص الذي يتبع في الوصول إلى قانون من قوانين الشرع لم يرد فيه نص صريح في الكتاب أو السنة ، وإن كان يجب أن يستند إلى أصلٍ ما من الأصول الواردة في القرآن أو الحديث الصحيح . وعلى هذا فالاجتهاد نوع واحد لا أنواع كثيرة ، وهو حق لكل مسلم يأنس من نفسه القدرة على القيام به وتكون فيه الأهلية لذلك ، وإن كان العرف الاسلامي قد جرى باعتبار الأئمة الأربعة هم المجتهدين دون غيرهم .
والحق أنه لا معنى لهذا الحصر ولا لإقفال باب الاجتهاد في وجه أي مسلم بعد الأئمة الأربعة ما دمنا نفهم الاجتهاد على أنه نوع من التفقه في الدين والبحث في أحكام الشرع بحثاً يعتمد على طريقة القياس وطرق الاستدلال الفقهية الأخرى ، وما دامت الشروط اللازمة له متوافرة في الشخص الذي يقوم به . ولكن ابن عربي يعطينا في هذا الفص وفي الفص الذي سبقه صورة جديدة عن الاجتهاد مختلفة تماماً عما يفهمه فقهاء المسلمين منه . فالمجتهد في نظره ليس المسلم الذي تفقه في الدين وأعمل عقله في استنباط الأحكام غير المنصوص عليها ، بل هو خليفة الرسول ، أو هو « الإمام ( 1 ) الذي أخذ علمه بالشرع من نفس المنبع الروحي
هامش
( 1 ) ويظهر أن استعمال كلمة « أمام » هذا الاستعمال الخاص راجع إلى تأثر نظرية ابن عربي بأفكار الشيعة في الإمام المعصوم .