الجمعية التي يوجه بها همته نحو الشيء المراد فيحصل عليه : سواء أكان ذلك من الأمور المتصلة بعالمنا الأرضي أم بالعوالم السماوية الأخرى . وفي هذا يقول : « وإنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لِهَمَم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية ، وقد عاينا ذلك في هذا الطريق » . وهذا صريح في أن هذا النوع من التسخير يكون بقوة مكتسبة يحصل عليها السالك إلى الله أثناء سلوكه ، إلا أن بعض السالكين يستخدمها ، والبعض الآخر يمتنع من استعمالها ( قارن الفص السادس ) .
أما النوع الثاني من التسخير فهو قوة يهبها الله لمن يشاء من غير كسب ولا رياضة ولا توجيه لهمة أو نحوها . وقد كان سليمان ممن أوتوا هذه القوة فجرت له الريح رخاء حيث أصاب ، وخضعت له الشياطين وغيرها من قوى الطبيعة ، ولم يكن عليه سوى أن يأمرها فتأتمر ويطلب منها الفعل فتفعل . وهذا النوع من التسخير في نظر المؤلف أفضل من الأول وأرقى ، لأنه تأثير مباشرة في الأشياء غير مفتقر إلى فعل الإرادة وجمعيتها . ومعنى هذا أن سليمان - ومن أُعْطُوا موهبته في التسخير قد تحققت فيهم الناحية اللاهوتية إلى أقصى حد فغلبت على ناسوتيتهم ، في حين أن غيرهم ممن لم يصلوا إلى مرتبتهم كبعض رجال الصوفية مثلًا - يحتاجون إلى ترويض إرادتهم رياضة خاصة وإلى حال نفسية خاصة يسمونها « مقام الجمع أو الجمعية » لكي يتمكنوا من تسخير الأشياء والتصرف فيها .
( 17 ) « ولما قال عليه السلام : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » نبه على أنه كل ما يراه الإنسان . . . خيال » .
يشير الحديث إلى غفلة الناس في هذه الحياة الدنيا وجهلهم بكثير من الحقائق ، وأنهم إذا ماتوا أفاقوا من غفلتهم وانتبهوا من نومهم ، فإذا الحقيقة غير ما ظنوا . وهذا مصداق قول الله عزّ وجل : « لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ من هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » . ولكن ابن عربي يؤول الحديث تأويلًا
فصوص الحكم — صفحة 219
مساهمون: ابن عربي
ص٢١٩