الفعل والقوة اللذين هما وجها الحقيقة الوجودية . أما إذا فهمناهما بمعناهما المنطقي على أنهما من أوصاف القضايا ، أمكننا أن نقول - اعتماداً على ما ذكرناه آنفاً من أن الوجود الحقيقي هو وجود الحق - إن القول الصريح هو « أن الحق هو الموجود » ، فإذا أضفنا لأنفسنا وجوداً - كما نضيف للظلال وجوداً في حين أنها لا جود لها في ذاتها - كان قولنا « نحن موجودون » متضمناً في قولنا « إن الحق موجود » . وكذلك الحال في المشي على الصراط المستقيم الذي هو صراط الوجود ، فإن الحق على هذا الصراط صريحاً ، ونحن عليه بالتبعية لأنه ليس في الوجود إلا الحق ، وأعياننا العدمية على الصراط المستقيم بتبعيته . وهذا معنى كونه آخذاً بنواصينا في قوله تعالى : « ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » .
ومعنى هذا كله أنك إذا نظرت إلى الحقيقة الوجودية من حيث إنها « الحق » كان الوجود الظاهر ( العالم ) شيئاً موجوداً فيه بالقوة أو متضمناً كما يقول ، وإذا نظرت إليها من حيث إنها الخلق الظاهر ، قلت إن ذلك الظاهر مجلى للحق ومظهرٌ وإن الحق متضمن فيه
( 16 ) « وأما التسخير الذي اختص به سليمان وفَضَل به غيره إلخ . . . » .
قد شرحنا بعض نواحي التسخير والتصرف في مواضع سابقة من هذا الكتاب ( راجع الفص السادس : التعليق 9 ، والفص الثالث عشر كله ) وليس بين معنييهما كبير فرق إلا أن التسخير إخضاع الشيء لقوة خارجة عنه تعمل فيه ، والتصرف هو استخدام تلك القوة لإحداث أي تغير في الشيء المسخر . ويظهر أن ابن عربي يفرّق بين نوعين مختلفين من التسخير : الأول التسخير الحاصل بوساطة قوة خاصة يطلق عليها الصوفية اسم « الهمة » . والثاني تسخير الأشياء بمجرد الأمر من غير استعانة بتلك القوة . ويلزم من هذا أن من تُسخر له الأشياء بوساطة الهمة لا بدّ أن يكون قد وصل إلى درجة روحية خاصة هي درجة
فصوص الحكم — صفحة 218
مساهمون: ابن عربي
ص٢١٨